من المنبر إلى المسؤولية الجنائية: متى يصبح خطاب صاحب السلطة الدينية مساهمة في الجرائم؟

منبر وقاعة محكمة يرمزان إلى المسؤولية الجنائية الناشئة عن الخطاب والتحريض

قراءة قانونية في ضوء محاكمة المفتي السابق أحمد بدر الدين حسون

تثير محاكمة المفتي السابق أحمد بدر الدين حسون سؤالاً يتجاوز شخص المتهم إلى صميم العدالة الانتقالية في سوريا: متى يبقى خطاب صاحب السلطة الدينية أو الرسمية في نطاق الرأي السياسي، ومتى يتحول إلى تحريض أو تشجيع أو دعم معنوي يمكن أن يؤسس لمسؤولية جنائية فردية؟

بدأت جلسات المحاكمة العلنية في 25 حزيران/يونيو 2026، في قضية تتصل، بحسب ما أعلنته النيابة العامة، باتهامات من بينها التحريض على القتل وتبريره. وفي جلسة 23 تموز/يوليو قدم الادعاء مواد رقمية، بينما طلب الدفاع التحقق الفني من التسجيلات ومصادرها. وما تزال القضية منظورة أمام القضاء، ولذلك تبقى قرينة البراءة واجبة، ولا يجوز التعامل مع الاتهام بوصفه حكماً مسبقاً.

المسؤولية لا تقوم على المنصب أو الولاء السياسي

لا يكفي أن يكون الشخص قد شغل منصباً رفيعاً أو أظهر ولاءً لنظام ارتكب جرائم حتى تثبت مسؤوليته الجنائية. القانون الجنائي، محلياً ودولياً، يقوم على المسؤولية الفردية: يجب تحديد الفعل أو القول المنسوب إلى المتهم، وإثبات علمه وإرادته، ثم بيان الصلة القانونية والواقعية بين مساهمته والجريمة.

وتوضح محاكمات نورمبرغ أهمية هذا التمييز. فقد أُدين يوليوس شترايخر بسبب حملة دعائية متكررة دعت إلى اضطهاد اليهود وإبادتهم في وقت كانت الجرائم تقع فيه وكان يعلم بها؛ في المقابل، بُرئ هانس فريتشه لأن الأدلة لم تثبت بالقدر المطلوب أن خطابه بلغ مستوى التحريض الجنائي أو أنه أسهم في الجرائم على النحو الذي يبرر الإدانة. الدرس هنا واضح: فظاعة الخطاب أو قرب صاحبه من السلطة ليست بديلاً عن إثبات أركان المسؤولية.

ليس كل خطاب متطرف تحريضاً جنائياً

قد يكون الخطاب صادماً أو تمييزياً أو غير أخلاقي، من دون أن يرقى تلقائياً إلى جريمة دولية. التقييم القانوني لا يتوقف عند الكلمات وحدها، بل يقرأها ضمن سياقها: من قالها؟ ولمن؟ ومتى؟ وما الذي كان يحدث على الأرض؟ وهل كانت العبارات مباشرة ومحددة أم عامة وملتبسة؟ وهل كان الجمهور قادراً على تنفيذها؟

وتؤكد السوابق القضائية الدولية، ومنها قضايا الإعلام أمام المحكمة الجنائية الدولية لرواندا وقضية المغني سيمون بيكيندي، أن السياق واللغة والجمهور والنية عناصر حاسمة. فقد تكون عبارة واحدة خطيرة إذا صدرت في لحظة قتل جماعي أمام جمهور مسلح، بينما لا تكفي خطابات أيديولوجية عامة، على خطورتها، ما لم يثبت اتصالها القانوني بالجريمة.

ما العناصر التي تجعل الخطاب ذا قيمة جنائية؟

  • الكلمات أو العبارات المحددة: هل تضمنت أمراً أو حثاً أو تبريراً واضحاً للعنف؟
  • هوية الجمهور: هل وُجه الخطاب إلى قوات أو أجهزة أو جماعات قادرة على التنفيذ؟
  • توقيت التصريح: هل صدر قبل الجريمة أو أثناءها أو بعد وقوعها؟
  • سلطة المتحدث: ما مكانته الرسمية أو الدينية، وما مقدار تأثيره الفعلي؟
  • العلم: هل كان يعرف بالجرائم أو باحتمال وقوعها؟
  • التكرار والنمط: هل كان التصريح منفرداً أم جزءاً من حملة متواصلة؟
  • الأفعال اللاحقة: هل أعقب الخطاب قتل أو تهجير أو اضطهاد ينسجم مع مضمونه؟
  • أثر المساهمة: هل أسهم الخطاب فعلياً وبصورة جوهرية في ارتكاب الجريمة أو تشجيع مرتكبيها؟

ماذا تعلمنا قضية فويسلاف شيشيلي؟

تُعد قضية السياسي الصربي فويسلاف شيشيلي من أبرز الأمثلة على المسؤولية الناشئة عن الخطاب. ففي خطاب ألقاه عام 1992 في هرتكوفسي، دعا إلى إبعاد الكروات، وأعقبت الخطاب تهديدات وأعمال عنف ومغادرة قسرية للسكان. انتهت الإجراءات الدولية إلى إدانته عن التحريض على الترحيل والاضطهاد والنقل القسري، لأن المحكمة لم تفصل الكلمات عن سلطة المتحدث والجمهور والسياق والنتائج.

ولا تعني هذه السابقة أن كل خطاب تعبوي يساوي حكماً جريمة، لكنها تبين أن المتحدث لا يحتمي دائماً خلف وصف كلامه بأنه رأي سياسي، إذا ثبت أنه قصد دفع الآخرين إلى سلوك إجرامي وأسهم في تحقيقه. ويمكن مراجعة ملف القضية في الموقع الرسمي لـالآلية الدولية لتصريف الأعمال المتبقية للمحكمتين الجنائيتين.

هل يمكن أن يشكل الخطاب دعماً معنوياً؟

قد تقوم المسؤولية أيضاً على المساعدة أو التشجيع أو الدعم المعنوي، إذا كان لهذا الدعم أثر جوهري في الجريمة وكان صاحبه يعلم أنه يساعد على ارتكابها. لا يشترط أن يحمل المتهم سلاحاً؛ فقد تكون مساهمته في إضفاء الشرعية، أو طمأنة المنفذين، أو تعزيز تصميمهم الإجرامي. لكن هذا الوصف يحتاج إلى دليل دقيق على الأثر والعلم، ولا يجوز افتراضه بسبب الموقع الرمزي للمتحدث وحده.

وفي حكم قضية فوروندجيا أمام المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة، تناولت المحكمة المساعدة والتشجيع بوصفهما قد يشملان المساندة العملية أو التشجيع أو الدعم المعنوي ذي الأثر الجوهري، مع توافر العلم بأن هذه المساهمة تساعد الجريمة.

كيف يمكن تطبيق المعيار على التصريحات المنسوبة إلى حسون؟

تتضمن المواد المتداولة والمنسوبة إلى حسون تصريحاً في حلب عام 2015 دعا فيه القوات إلى الانتقال من الدفاع إلى الهجوم، وطالب المدنيين بالمغادرة، وتحدث عن تدمير المنطقة «عن آخرها». إذا ثبتت صحة التسجيل وسياقه، فإن قيمته القانونية لا تُستمد من قسوته اللفظية فقط، بل من اجتماع ثلاثة عناصر: طبيعة الجمهور المخاطَب، والهدف الذي تناولته العبارات، والسياق الزمني والعسكري الذي صدرت فيه.

ومع ذلك، لا يصح الوصول إلى نتيجة قانونية قبل التحقق من النسخة الأصلية للتسجيل، وسلامة سلسلة حفظه، وعدم اجتزائه، وتحديد زمانه ومكانه، وهوية الجمهور، ومعنى الكلمات ضمن السياق الكامل، وعلم المتهم بما كان يجري، وطبيعة علاقته بمنفذي الجرائم المزعومة، وما إذا كان سلوك لاحق قد ارتبط بالخطاب.

لا يكفي جمع الخطب؛ يجب إثبات الرابطة بالجريمة

الخطر الأكبر في هذا النوع من القضايا هو تحويلها إلى محاكمة للتاريخ السياسي العام للمتهم. المطلوب قضائياً ليس تجميع أكبر عدد من الخطب المثيرة، بل تحديد الجرائم الأصلية التي يُقال إنها وقعت، وهوية مرتكبيها، والمساهمة المحددة للمتهم، والقصد أو العلم المطلوب، ثم بيان كيف أسهم الخطاب في وقوع الجريمة أو تعزيزها.

إذا عجز الاتهام عن إثبات هذه الرابطة، بقي الخطاب مادة سياسية وأخلاقية وربما أساساً لمسؤوليات أخرى، لكنه لا يكفي وحده لإدانة جنائية. وإذا أثبتها بأدلة موثوقة وخضعت للمناقشة العلنية، فلا يجوز إعفاء صاحب المنبر لمجرد أنه لم يطلق النار بنفسه.

المحاكمة العادلة جزء من حق الضحايا في العدالة

إن حماية حقوق المتهم لا تناقض حق الضحايا؛ بل تحمي قيمة الحكم وتمنع تحول العدالة الانتقالية إلى انتقام. وتقتضي المحاكمة المهنية:

  • صياغة اتهامات محددة تربط كل قول بفعل جرمي معلوم.
  • إخضاع التسجيلات والمواد الرقمية للفحص الفني المستقل.
  • تمكين الدفاع من الاطلاع على الأدلة ومناقشتها واستجواب الشهود.
  • التمييز الصريح بين المسؤولية السياسية والأخلاقية والجنائية.
  • احترام قرينة البراءة طوال الإجراءات.
  • تحديد الأساس القانوني الوطني لكل تهمة واحترام مبدأ الشرعية وعدم رجعية التجريم.
  • إصدار حكم معلل يشرح تقييم الأدلة وأركان الجريمة ومسؤولية المتهم.

ومن هذا المنظور، فإن طلب الدفاع عرض التسجيلات على خبرة فنية ليس عرقلة للعدالة، بل ضمانة لازمة لبناء حكم قابل للدفاع عنه قانونياً. وقد أوردت تغطية الجلسة الثالثة تقديم الادعاء مواد رقمية وطلب الدفاع التحقق الفني منها.

المعيار القانوني المتوازن

هناك طريقان خاطئان: الأول إدانة حسون لمجرد أنه كان «مفتي النظام السابق»، والثاني نفي أي مسؤولية عنه لأنه لم يحمل سلاحاً. القانون لا يقبل أياً منهما. السؤال القضائي الحاسم هو: هل ثبت، بدليل مشروع يتجاوز الشك المعقول، أن خطاباً محدداً صدر عنه بقصد أو علم مؤثر، وأسهم في جريمة محددة وفق صورة من صور المسؤولية التي يقرها القانون؟

هذه الصرامة ليست مسايرة للمتهم ولا تخلياً عن الضحايا. إنها ما يميز المحاكمة عن الإدانة السياسية، ويمنح العدالة الانتقالية صدقيتها. فالمنبر قد يصبح أداة للجريمة، لكن إثبات ذلك يجب أن يتم بأدلة قابلة للفحص، لا بالانطباع أو الشهرة أو الغضب العام.

جهود رابطة الحقوقيين السوريين الأحرار في التوثيق

تتابع رابطة الحقوقيين السوريين الأحرار هذه المحاكمة بوصفها اختباراً مهماً لقدرة القضاء السوري على معالجة المسؤولية عن خطاب التحريض ضمن معايير قانونية واضحة ومحاكمة علنية عادلة. وقد أعدت الرابطة مذكرة قانونية تتناول السوابق القضائية الدولية ذات الصلة، مساهمةً في النقاش القانوني العام، من دون مصادرة لاختصاص المحكمة أو استباق لنتيجة الدعوى.

وتعمل الرابطة على توثيق محاكمات العدالة الانتقالية، وجمع مصادرها القانونية، وتوضيح المصطلحات وصور المسؤولية، والدفاع عن استقلال القضاء وعلنية الإجراءات وحقوق الضحايا والمتهمين معاً. هدف هذا العمل ليس إنتاج إدانة مسبقة أو تبرئة مسبقة، بل دعم عدالة قائمة على الوقائع والأدلة والقانون.

Facebook
Twitter
WhatsApp
Telegram
ميزان العدالة بين حقوق الضحايا وضمانات المحاكمة العادلة في مسار العدالة الانتقالية السوري

قانون العدالة الانتقالية المرتقب في سوريا: ما الضمانات التي يجب أن يتضمنها؟

بين حق الضحايا في العدالة وخطر بناء سلطة استثنائية جديدة: قراءة قانونية في الضمانات التي ينبغي أن يتضمنها قانون العدالة الانتقالية السوري المرتقب، من استقلال الهيئة والمحاكمات العادلة إلى كشف الحقيقة وجبر الضرر ومنع الإفلات من العقاب.