تمثل محاكمة المسؤولين السابقين المتهمين بارتكاب انتهاكات جسيمة فرصة تاريخية أمام سوريا لإعادة بناء الثقة بالقضاء وترسيخ مبدأ عدم الإفلات من العقاب. غير أن نجاح هذه المحاكمات لا يُقاس فقط بعدد المتهمين أو شدة الأحكام، بل أيضاً بمدى قدرة النظام القضائي على الاعتراف بالضحايا وإشراكهم وحمايتهم وجبر الضرر الذي لحق بهم.
فالضحية ليست مجرد شاهد تستعين به النيابة لإثبات التهمة، وليست وسيلةً لتقوية ملف الادعاء. إنها صاحبة حقوق مستقلة ينبغي احترامها منذ بدء التحقيق وحتى تنفيذ الحكم وإجراءات التعويض.
من هو الضحية قانوناً؟
لا يقتصر مفهوم الضحية على الشخص الذي تعرض مباشرةً للقتل أو التعذيب أو الاعتقال أو الاختفاء القسري. فقد يشمل أيضاً أفراد أسرته ومن يعولهم والأشخاص الذين أصيبوا بضرر أثناء محاولتهم مساعدته.
ويؤكد إعلان الأمم المتحدة بشأن المبادئ الأساسية لتوفير العدالة لضحايا الجريمة وإساءة استعمال السلطة أن صفة الضحية لا تتوقف على معرفة الفاعل أو توقيفه أو محاكمته أو إدانته. ولذلك تبقى حقوق الضحايا قائمة حتى عندما يتعذر تحديد المسؤول المباشر أو الوصول إليه.
وفي السياق السوري، يجب أن يشمل المفهوم الناجين من الاعتقال والتعذيب، وأسر القتلى والمفقودين، وضحايا العنف الجنسي، والمهجرين الذين فقدوا ممتلكاتهم، والأطفال الذين تعرضوا لانتهاكات، والأشخاص الذين أصيبوا بأضرار نفسية أو اقتصادية نتيجة الجرائم الجسيمة.
الحق في الحصول على المعلومات
من أكثر المشكلات التي واجهتها الأسر السورية طوال سنوات تغييب المعلومات عنها. فقد بحثت عائلات المعتقلين والمختفين عن أبنائها بين الفروع الأمنية والمحاكم والسجون، من دون إجابات واضحة أو سجلات يمكن الرجوع إليها.
لذلك يجب أن يحصل الضحايا على معلومات مفهومة ودورية بشأن:
- الجهة القضائية التي تنظر في القضية.
- التهم المنسوبة إلى المتهم.
- مواعيد الجلسات ومراحل الإجراءات.
- القرارات المتعلقة بالإفراج أو التوقيف.
- طرق تقديم الادعاء الشخصي أو المطالبة بالتعويض.
- صدور الحكم وطرق الطعن فيه.
- الإجراءات التي قد تؤثر في سلامة الضحايا أو الشهود.
لكن الحق في المعلومات لا يعني نشر جميع تفاصيل التحقيق للعموم. فقد تتطلب حماية الشهود وسلامة الأدلة إبقاء بعض المعلومات سرية بصورة مؤقتة، على أن يكون ذلك بقرار قانوني مسبب ومتناسب.
الحق في المشاركة وإسماع الصوت
المشاركة الفعلية تتجاوز استدعاء الضحية للإدلاء بالشهادة. ينبغي تمكين الضحايا، وفقاً للقانون الوطني وضمانات المحاكمة العادلة، من عرض آرائهم ومخاوفهم عندما تتأثر مصالحهم الشخصية بالإجراءات.
وقد تشمل المشاركة:
- تقديم الشكاوى والأدلة والمعلومات.
- الادعاء بالحق الشخصي بواسطة محامٍ.
- حضور الجلسات العلنية.
- إبداء الرأي في المسائل المتعلقة بالحماية والخصوصية.
- المطالبة بالتعويض وجبر الضرر.
- الطعن في القرارات التي يسمح القانون بالطعن فيها.
- الحصول على ترجمة أو وسائل مساعدة عند الحاجة.
ولا ينبغي أن تؤدي المشاركة إلى تحميل الضحية مسؤولية إثبات الملف الجنائي بأكمله. فالتحقيق وجمع الأدلة وتوجيه الاتهام مسؤولية مؤسسات الدولة، ولا يجوز ترك الضحايا في مواجهة المتهمين أو الأجهزة التي ينتمي إليها المشتبه بهم.
الحماية من الانتقام وإعادة الصدمة
قد يمتنع كثير من الضحايا عن التقدم إلى القضاء خوفاً من التهديد أو الوصمة الاجتماعية أو كشف هويتهم أو تعرض أسرهم للانتقام. وتزداد الخطورة بالنسبة إلى ضحايا العنف الجنسي والأطفال والأشخاص المقيمين في مناطق غير مستقرة.
لهذا تحتاج المحاكمات السورية إلى برنامج متكامل لحماية الضحايا والشهود يتضمن:
- سرية العناوين وبيانات الاتصال.
- عدم نشر الهوية عندما يؤدي ذلك إلى الخطر.
- منع التواصل المباشر غير الضروري بين الضحية والمتهم.
- إمكانية الاستماع إلى بعض الشهادات عن بُعد.
- توفير أماكن انتظار منفصلة داخل المحاكم.
- تجريم التهديد والتأثير في الشهود وملاحقتهما بجدية.
- تقديم الدعم النفسي والاجتماعي قبل الشهادة وبعدها.
- تدريب القضاة والمحامين على التعامل مع الصدمات النفسية.
ويجب ألا تستخدم تدابير الحماية بطريقة تمس حق المتهم في معرفة الأدلة ومناقشتها. المطلوب هو تحقيق توازن دقيق بين سلامة الشاهد وحقوق الدفاع، باستخدام وسائل قانونية تخضع لرقابة المحكمة.
الحق في الحقيقة
بالنسبة إلى عائلات المفقودين والمختفين قسرياً، لا تقتصر العدالة على إصدار حكم جنائي. تريد الأسر معرفة ما حدث، ومكان الاحتجاز، والجهات المسؤولة، ومصير الشخص، ومكان دفنه إن كان قد توفي.
ولهذا يجب ربط المحاكمات بعمل الهيئة الوطنية للمفقودين والجهات المختصة بحماية المقابر والوثائق والسجلات الأمنية والطبية. كما ينبغي ألا يؤدي استخدام الأدلة في المحاكم إلى حجب المعلومات الضرورية عن الأسر لفترات غير مبررة.
إن كشف الحقيقة حق فردي للضحايا، لكنه أيضاً حق جماعي للمجتمع السوري، لأنه يساعد على فهم أنماط الانتهاكات ويمنع إنكارها أو تكرارها.
جبر الضرر أوسع من التعويض المالي
قد ينتهي الحكم بإدانة المتهم، لكن العقوبة وحدها لا تعيد للضحية صحتها أو منزلها أو عملها أو سنوات حياتها المفقودة.
وتشمل صور جبر الضرر المعترف بها دولياً:
- رد الحقوق والممتلكات كلما كان ذلك ممكناً.
- التعويض عن الأضرار المادية والجسدية والنفسية.
- العلاج الطبي والنفسي وإعادة التأهيل.
- الاعتراف الرسمي بما وقع والاعتذار عند الاقتضاء.
- إعادة الاعتبار وإلغاء الآثار القانونية للقرارات التعسفية.
- تخليد ذكرى الضحايا.
- إصلاح المؤسسات وضمان عدم تكرار الانتهاكات.
وقد لا تكون أموال الشخص المدان كافية لتعويض جميع المتضررين. لذلك تحتاج سوريا إلى برنامج وطني لجبر الضرر وصندوق عام يعمل وفق معايير معلنة، ولا يجعل التعويض متوقفاً كلياً على صدور حكم في قضية فردية.
سجل وطني موحد للضحايا
ناقشت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في شباط/فبراير 2026 إنشاء سجل وطني للضحايا يستند إلى احتياجات الناجين وأسر الضحايا. ويمكن لهذا السجل أن يشكل خطوة مهمة إذا رافقته ضمانات صارمة لحماية البيانات.
ينبغي ألا يتحول السجل إلى قاعدة معلومات مكشوفة أو إلى شرط تعجيزي للاعتراف بالضحايا. ويجب أن يوضح القانون من يملك حق الوصول إلى البيانات، والأغراض التي يجوز استخدام المعلومات من أجلها، ومدة الاحتفاظ بها، وطرق تصحيح الأخطاء، وكيفية مشاركتها مع القضاء، والعقوبات المفروضة على التسريب أو الاستخدام غير المشروع.
كما يجب عدم استبعاد الأشخاص الذين فقدوا وثائقهم أو يقيمون خارج البلاد. فكثير من الضحايا اضطروا إلى الهرب من دون أوراق رسمية، وقد يصعب عليهم العودة شخصياً لتسجيل مطالباتهم.
ما الذي تحتاجه المحاكم السورية عملياً؟
لتحويل حقوق الضحايا من مبادئ عامة إلى ممارسة يومية، يمكن اتخاذ إجراءات عملية، منها:
- إنشاء وحدة لشؤون الضحايا داخل المحاكم المختصة.
- اعتماد نظام آمن لإبلاغ الضحايا بمواعيد الجلسات والقرارات.
- توفير قائمة بمحامين مؤهلين للمساعدة القانونية المجانية.
- السماح بتلقي الطلبات والشهادات من السوريين الموجودين خارج البلاد.
- وضع بروتوكولات خاصة للأطفال وضحايا العنف الجنسي وذوي الإعاقة.
- إنشاء برنامج مستقل لحماية الشهود والضحايا.
- إصدار أحكام واضحة تشرح الأدلة والتكييف القانوني وحقوق التعويض.
- تنسيق حفظ الأدلة مع الآلية الدولية المحايدة والمستقلة الخاصة بسوريا.
- إنشاء صندوق وطني لجبر الضرر.
- نشر تقارير دورية عن سير المحاكمات من دون كشف المعلومات الحساسة.
وتشير الآلية الدولية المحايدة والمستقلة إلى أن العدالة الشاملة تتطلب أن تعكس عمليات المساءلة تجارب الضحايا والناجين واحتياجاتهم، وأن تشمل الفئات التي غالباً ما تكون أقل ظهوراً، مثل الأطفال والنساء وذوي الإعاقة.
حقوق الضحايا وحقوق المتهم ليستا متعارضتين
قد يبدو أحياناً أن ضمان حقوق المتهم يقلل من إنصاف الضحية، لكن المحاكمة التي لا تحترم قرينة البراءة وحق الدفاع وفحص الأدلة ستكون عرضة للإلغاء أو التشكيك، وقد تعيد إيذاء الضحايا بدلاً من إنصافهم.
يستفيد الضحايا من قضاء مستقل ومحاكمة عادلة بقدر ما يستفيد منها المتهم. فالحكم المبني على أدلة موثوقة وإجراءات سليمة هو الحكم القادر على الصمود أمام الطعن والتدقيق القانوني والتاريخي.
ولا ينبغي تقديم الإدانة المسبقة بوصفها تضامناً مع الضحايا. التضامن الحقيقي هو بناء ملف مهني يحدد المسؤولية الفردية ويمنع معاقبة الأبرياء أو استخدام القضاء لتحقيق انتقام سياسي أو جماعي.
إن محاكمة رموز النظام السابق يمكن أن تكون مدخلاً إلى عدالة حقيقية، لكنها لن تحقق غايتها إذا بقي الضحايا خارج قاعة المحكمة أو اختُصر دورهم في الإدلاء بالشهادة.
المطلوب هو انتقال الضحية من موقع المتلقي الصامت إلى صاحب الحق: حق المعرفة، والمشاركة، والحماية، والحقيقة، والتعويض، وإعادة التأهيل، وضمان عدم التكرار.
وعندما تحمي المحكمة كرامة الضحية وحقوق المتهم في الوقت نفسه، فإنها لا تفصل فقط في قضية جنائية، بل تضع أساساً لدولة قانون جديدة لا تكون فيها العدالة امتيازاً للسلطة، ولا الانتقام بديلاً عن المحاسبة.
ملاحظة قانونية: القضايا المتعلقة بمسؤولي النظام السابق ما تزال منظورة أمام القضاء. جميع الاتهامات تخضع للإثبات، ويتمتع كل متهم بقرينة البراءة حتى صدور حكم نهائي.



