التدقيق الوظيفي («الفيتنغ») يبدأ من الداخل: هل يصلح صنّاع الرواية الأمنية لنظام الآسد وحرّاسها لبناء مؤسسات سوريا الجديدة؟

التدقيق الوظيفي والعدالة الانتقالية: شخصية مؤسسية مجهولة أمام ملفات قيد الفحص

قراءة في التدقيق الوظيفي بوصفه إحدى أدوات العدالة الانتقالية، وفي مسؤولية القانونيين والحقوقيين الذين ساهموا في تبرير الانتهاكات أو حجب حقيقتها.

لا تبدأ العدالة الانتقالية من قاعات المحاكم وحدها، ولا تنتهي عند محاكمة عدد من كبار المسؤولين. إنها عملية وطنية أشمل لمواجهة إرث الانتهاكات، وكشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين، وإنصاف الضحايا، وإصلاح المؤسسات التي سمحت بوقوع الجرائم أو ساهمت في إخفائها.

ولهذا لا يكفي أن تسأل سوريا الجديدة: من أصدر أوامر الاعتقال؟ ومن مارس التعذيب؟ ومن قتل أو أخفى؟

يجب أن تسأل أيضاً: من نقل الأوامر؟ ومن امتلك المعلومات؟ ومن صاغ الرواية الرسمية؟ ومن استخدم القانون لتقديم مؤسسة الانتهاك باعتبارها مؤسسة تحترم الحقوق؟ ومن يريد اليوم العودة إلى المجال العام بصفته خبيراً أو أكاديمياً أو مستشاراً من دون أن يكشف حقيقة موقعه السابق ودوره ومسؤوليته؟

هذه الأسئلة ليست دعوة إلى الانتقام أو الإدانة المسبقة. إنها جزء أصيل من العدالة الانتقالية، وتحديداً من إصلاح المؤسسات وضمان عدم تكرار الانتهاكات.

العدالة الانتقالية ليست محاكمة للماضي فقط

يُختزل مفهوم العدالة الانتقالية أحياناً في المحاكمات الجنائية، بينما تنظر إليه المعايير الدولية باعتباره منظومة مترابطة تشمل كشف الحقيقة، والمساءلة القضائية، وجبر ضرر الضحايا، وحفظ الذاكرة، وإصلاح المؤسسات وضمان عدم التكرار.

ولا ينبغي لهذه المسارات أن تعمل منفصلة. فالحقيقة من دون مساءلة قد تتحول إلى مجرد توثيق للانتهاكات، والتعويض من دون حقيقة وعدالة قد يبدو محاولة لشراء صمت الضحايا، وإصلاح المؤسسات من دون تدقيق في العاملين فيها قد يعيد توزيع الأشخاص أنفسهم داخل هياكل تحمل أسماء جديدة.

وقد أكد المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالحقيقة والعدالة والجبر وضمانات عدم التكرار ضرورة التعامل مع ركائز العدالة الانتقالية بوصفها أجزاء متكاملة يعزز بعضها بعضاً. تقرير المقرر الخاص بشأن ركائز العدالة الانتقالية.

فالعدالة الانتقالية تنظر إلى الماضي، لكنها تفعل ذلك لحماية المستقبل.

ومن هنا تأتي أهمية التدقيق الوظيفي، أو «الفيتنغ»، بوصفه أداة من أدوات الإصلاح المؤسسي وضمان عدم التكرار. فالدولة التي تغيّر أسماء مؤسساتها، لكنها تسمح للأشخاص الذين ساهموا في الانتهاكات أو في حجب حقيقتها بالعودة إلى مواقع السلطة والثقة، لا تكون قد أصلحت مؤسساتها؛ بل تكون قد منحت المنظومة القديمة فرصة لإعادة إنتاج نفسها.

ما التدقيق الوظيفي؟

التدقيق الوظيفي هو عملية فحص فردي لسجل الموظف العام أو المرشح لمنصب حساس، للتحقق من استيفائه معايير النزاهة والكفاءة واحترام حقوق الإنسان والسلوك المهني.

ووفق إطار مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، يهدف الفيتنغ إلى استبعاد من يفتقرون إلى النزاهة من المؤسسات العامة، بما يساهم في استعادة ثقة المواطنين ومنع وقوع انتهاكات جديدة. إطار الأمم المتحدة التشغيلي للتدقيق الوظيفي.

إنه لا يقرر من يدخل السجن، بل من يصلح لأن يُعهد إليه مجدداً بسلطة عامة.

وهذا التمييز جوهري. فالإدانة الجنائية تحتاج إلى أدلة تستوفي معايير المحاكمة العادلة، بينما يحتاج التعيين في منصب عام حساس إلى سجل مهني ينسجم مع النزاهة والثقة والمسؤوليات التي يفرضها المنصب.

قد لا تكفي المعلومات المتاحة لمحاكمة شخص جنائياً، لكنها قد تكشف افتقاره إلى النزاهة اللازمة لشغل موقع في القضاء أو الشرطة أو التعليم العام أو المؤسسات الحقوقية أو هيئات العدالة الانتقالية.

الحرية حق لا يجوز سلبه بلا حكم قضائي. أما المنصب العام فليس حقاً مكتسباً.

صنّاع الانتهاك وصنّاع روايته

الانتهاكات الواسعة لا ترتكبها يد واحدة.

تحتاج منظومة القمع إلى من يصدر الأمر، ومن ينفذه، ومن يسجل أسماء المعتقلين أو يخفيها، ومن ينقل التعليمات، ومن يحفظ الملفات أو يتلفها، ومن يمنع التحقيق، ومن يصوغ الرواية التي تُقدم إلى المجتمع والعالم.

كان الضحايا يتحدثون عن التعذيب والاختفاء القسري، بينما كان الخطاب الرسمي يتحدث عن قوانين تجرّم التعذيب. وكان الأهالي يبحثون عن أبنائهم، فيما كانت المؤسسات الرسمية تعرض وجود القضاء واللجان وآليات الشكاوى دليلاً على سلامة النظام القانوني. وكانت التقارير الدولية تتحدث عن أنماط واسعة من الانتهاكات، بينما يعمل آخرون على اختزالها في «تجاوزات فردية» أو «ادعاءات غير مثبتة» أو نتائج ضرورية لمكافحة الإرهاب.

لقد احتاج النظام السابق إلى من يمارس القمع، لكنه احتاج أيضاً إلى من يترجم القمع إلى لغة قانونية قابلة للدفاع والتسويق.

ولا يعني ذلك أن كل موظف قانوني أو عضو في وفد رسمي كان شريكاً في جريمة، كما لا يجوز افتراض أن كل من عمل في مؤسسة أمنية كان يعلم بكل ما جرى داخلها.

لكن حين يجمع شخص بين موقع قريب من المؤسسة الأمنية وبين دور لاحق في صياغة خطابها الحقوقي أو تمثيلها أمام الهيئات الدولية، فإن ذلك يثير تساؤلات جدية تستوجب التدقيق المستقل.

ما طبيعة موقعه؟ وما الصلاحيات التي امتلكها؟ وما المعلومات التي كانت متاحة له؟ وما الوثائق التي تعامل معها؟ وما الردود التي ساهم في إعدادها؟ وهل اعترض على معلومات يعرف عدم دقتها؟ وهل ساعد في كشف الانتهاكات أم ساهم في حجبها؟

هذه ليست أسئلة إدانة، بل أسئلة حقيقة. ومن دون الإجابة عنها تبقى إحدى صفحات الماضي مغلقة.

الحقيقة تبدأ من السيرة الوظيفية

الحق في الحقيقة لا يتعلق فقط بمعرفة مصير المختفين أو تحديد أماكن المقابر. إنه يشمل أيضاً كشف الآليات والمؤسسات والأدوار التي جعلت الانتهاكات ممكنة.

من حق السوريين أن يعرفوا كيف كانت تُتخذ القرارات، وكيف كانت تنتقل المعلومات بين المكاتب، ومن كان يملك الاطلاع عليها، وكيف صيغت الأجوبة الرسمية التي أنكرت الانتهاكات أو قللت من شأنها.

لهذا يجب أن يصبح الإفصاح الكامل عن السيرة الوظيفية شرطاً لأي تعيين حساس.

لا يكفي أن يذكر المرشح شهاداته الجامعية ومؤلفاته ومشاركاته الدولية، بينما يحذف من سيرته مواقع أمنية أو إدارية شغلها خلال سنوات الانتهاكات.

السيرة المبتورة ليست مجرد نقص شكلي، خصوصاً عندما يكون الجزء المحذوف هو الأكثر اتصالاً بالثقة العامة. وقد يشكل الإخفاء المتعمد في ذاته مؤشراً يمس النزاهة.

من يريد المشاركة في بناء مؤسسات المرحلة الجديدة عليه أن يقدم تاريخه المهني كاملاً، وأن يجيب عن الأسئلة المتعلقة به، لا أن يختار من ماضيه ما يمنحه صفة الخبير ويحذف ما يضعه موضع المساءلة.

عندما يصبح خبير حقوق الإنسان موضوعاً للتدقيق

تزداد أهمية المساءلة عندما يكون الشخص متخصصاً في حقوق الإنسان أو القانون الدولي الإنساني، أو مؤلفاً في القيود المفروضة على سلطات الضبط، أو باحثاً في سبل مواجهة الانتهاكات.

المؤلفات الحقوقية ليست شهادة نزاهة تلقائية. بل قد تجعل واجب المساءلة أكبر؛ لأن صاحبها يعرف معنى التعذيب والاختفاء القسري والاعتقال التعسفي، ويدرك الفرق بين وجود النص القانوني وبين احترامه في الواقع.

من كتب عن حماية الإنسان من تعسف سلطات الضبط، ماذا فعل عندما أصبح قريباً من تلك السلطات؟ ومن بحث في الآليات الوطنية والدولية لمواجهة انتهاكات القانون الدولي الإنساني، كيف تعامل مع الانتهاكات عندما لم تعد موضوعاً أكاديمياً بعيداً، بل واقعاً يحيط بالمؤسسة التي يعمل فيها؟ ومن شارك في إعداد خطاب رسمي عن حقوق الإنسان، هل نقل الحقيقة التي عرفها، أم ساهم في بناء رواية تتجاهلها؟

الاختبار الحقيقي لا يكمن في عدد الكتب التي كتبها الشخص عن الحقوق، بل في موقفه عندما أصبح احترام تلك الحقوق مكلفاً.

من عرف القاعدة يتحمل مسؤولية مهنية أكبر في تفسير ما فعله حين انتُهكت.

ومسؤولية حقوقيي المرحلة الجديدة

وتقع على حقوقيي الثورة وأكاديمييها وقانونييها، في هذه المرحلة، مسؤولية مضاعفة: ألا يكرروا ما فعله أولئك الذين سخّروا المعرفة القانونية لتبرير القمع، وصناعة روايته، وحجب حقيقة ضحاياه.

فضمان عدم التكرار لا يعني فقط إصلاح الأجهزة والقوانين، بل يقتضي أيضاً منع نشوء طبقة جديدة من الخبراء تمنح السلطة غطاءً حقوقياً كلما انحرفت.

ومن واجب الحقوقيين والقانونيين أن يبقوا في صف الحقيقة والضحايا وسيادة القانون، وأن يمارسوا النقد والمساءلة باستقلال، لا أن يستبدلوا الولاء للسلطة السابقة بولاء غير مشروط لسلطة جديدة.

فالوجوه قد تتغير، فيما تعود المنظومة ذاتها إذا ظل القانون أداة للتبرير بدلاً من أن يكون قيداً على القوة وحمايةً للإنسان.

إن ضمان عدم التكرار لا يختبر نزاهة العاملين في مؤسسات النظام السابق وحدهم، بل يختبر أيضاً استقلال من يتولون اليوم بناء المؤسسات الجديدة ومراقبتها.

إعادة التعويم اعتداء رمزي على الضحايا

جبر الضرر لا يقتصر على التعويض المالي. إنه يشمل الاعتراف بالضحايا وكرامتهم، وكشف الحقيقة، واستعادة حقوقهم، والاعتذار، وضمان ألا تتكرر الانتهاكات.

عندما يرى الضحية شخصاً ساهم في إنكار معاناته يعود بصفة خبير في حقوق الإنسان، أو مسؤول عن العدالة، أو أستاذ يعلّم قيم القانون، فإن الرسالة التي تصله ليست رسالة انتقال أو إنصاف.

إنها تقول له إن ما جرى لم يكن مهماً بما يكفي، وإن العلاقات والألقاب أقوى من الحقيقة، وإن من ساهم في حجب صوته يستطيع العودة من دون تفسير أو اعتذار أو مساءلة.

لذلك يحمل منع إعادة التعويم غير المشروط بعداً من أبعاد جبر الضرر الرمزي. فهو يعترف بأن ما وقع كان حقيقياً، وأن إنكاره أو تبريره لم يكن عملاً مهنياً محايداً، وأن المؤسسات الجديدة لن تكافئ من ساهموا في طمس معاناة الضحايا.

لكن هذا الاعتراف لا يتحقق عبر التشهير أو الاتهامات غير الموثقة. بل عبر آلية عادلة تمنح الضحايا فرصة تقديم المعلومات، وتمنح الشخص المعني حق الرد، وتصدر قراراً معللاً قابلاً للطعن.

الفيتنغ ليس بديلاً عن المحاسبة الجنائية

لا يجوز استخدام التدقيق الوظيفي لإغلاق الملفات الجنائية.

إذا كشف الفحص وثائق أو شهادات تشير إلى ارتكاب جريمة، أو إصدار أوامر، أو المساعدة على التعذيب أو الاختفاء القسري، أو الإخفاء المتعمد لأدلة الجرائم، فيجب إحالة الملف إلى جهة تحقيق مستقلة.

الفصل من الوظيفة لا يعوض المحاكمة عندما تتوافر أدلة على جريمة، كما أن التدريب الحقوقي أو الاعتذار لا يمكن أن يحلا محل المسؤولية الجنائية عن الانتهاكات الجسيمة.

وفي المقابل، عدم كفاية الدليل الجنائي لا يعني وجوب تعيين الشخص في موقع ثقة.

العدالة الجنائية والتدقيق الوظيفي مساران مختلفان لكنهما متكاملان: الأول يحدد المسؤولية عن الجريمة، والثاني يحمي نزاهة المؤسسة الجديدة.

وقد أكدت أدبيات العدالة الانتقالية أن الفيتنغ، إذا عُزل عن كشف الحقيقة والمحاكمات وجبر الضرر، يصبح أداة ناقصة وغير كافية لضمان عدم التكرار. تقرير الأمم المتحدة بشأن تكامل آليات العدالة الانتقالية.

لا للبراءة المؤسسية المسبقة

يتمتع كل شخص بقرينة البراءة أمام القضاء. لكن المؤسسات والأجهزة السابقة لا تتمتع بما يمكن تسميته «البراءة المؤسسية المسبقة».

لا يجوز القول إن كل من عمل داخل مؤسسة متهمة بانتهاكات جسيمة صالح تلقائياً لشغل منصب جديد لمجرد أنه لم يُحاكم. كما لا يجوز القول إنه مذنب لمجرد انتمائه إليها.

الطريق العادل يقع بين الموقفين: لا إدانة جماعية، ولا ثقة عمياء.

يجب فحص الدور الفردي اعتماداً على:

  • الموقع الوظيفي الفعلي، لا المسمى وحده.
  • الصلاحيات الرسمية والممارسة الواقعية.
  • مقدار الوصول إلى المعلومات.
  • القرارات والمراسلات والتوقيعات.
  • المشاركة في إعداد التقارير والردود الرسمية.
  • المواقف العلنية من الانتهاكات.
  • الشهادات المتقاطعة للزملاء والضحايا.
  • مدى الإفصاح عن السيرة المهنية.
  • التعاون مع آليات كشف الحقيقة وحفظ الأدلة.
  • أي أعمال موثقة لحماية الضحايا أو الاعتراض على الانتهاكات.

وقد يثبت التدقيق أن الشخص لم يكن متورطاً، أو أن دوره كان محدوداً، أو أنه اتخذ مواقف إيجابية. عندها يجب أن تظهر هذه الحقيقة أيضاً؛ لأن العدالة الانتقالية لا تحمي الضحايا فقط، بل تحمي الأفراد من الاتهام الجماعي والتعسف.

من يدقق المدققين؟

إذا كان الفيتنغ جزءاً من العدالة الانتقالية، فإن أول من يجب أن يخضع له هم الأشخاص المرشحون لإدارة العدالة الانتقالية نفسها.

لا يمكن تشكيل هيئة لكشف الحقيقة من أشخاص كانت لهم أدوار غير مكشوفة في صياغة رواية الإنكار. ولا يمكن تكليف شخص بإصلاح الشرطة قبل فحص مسؤوليته داخل المؤسسة الأمنية السابقة. ولا ينبغي أن يضع معايير النزاهة من يرفض الإفصاح عن سيرته أو الإجابة عن أسئلة تتعلق بماضيه الوظيفي.

يجب تدقيق أعضاء لجان الفيتنغ وهيئات الحقيقة والعدالة قبل توليهم مهامهم، مع إعلان مصالحهم وعلاقاتهم وأدوارهم السابقة. وإلا تحولت الأداة المصممة لحماية الانتقال إلى وسيلة جديدة لإعادة توزيع النفوذ.

الفيتنغ يبدأ من الداخل، ومن أولئك الذين سيملكون سلطة التدقيق في الآخرين.

كيف نبني آلية سورية عادلة؟

تحتاج سوريا إلى إطار وطني للتدقيق الوظيفي يكون جزءاً من استراتيجية شاملة للعدالة الانتقالية، لا قراراً إدارياً متسرعاً.

معايير قانونية معلنة

يجب تحديد المؤسسات والمناصب المشمولة، ومعايير النزاهة، والوقائع التي يمكن أن تؤدي إلى المنع أو التعليق أو الإحالة إلى التحقيق.

فحص فردي لا اجتثاث جماعي

لا يجوز اعتبار الانتماء إلى وزارة أو حزب أو نقابة دليلاً كافياً على المسؤولية. المعيار هو السلوك الفردي والصلاحية والمعرفة والمساهمة المثبتة.

استقلال هيئة التدقيق

يجب أن تضم الهيئة قانونيين مستقلين وخبراء في حقوق الإنسان وممثلين عن الضحايا والمجتمع المدني، مع قواعد صارمة لمنع تضارب المصالح والتدخل السياسي.

مشاركة الضحايا

لا ينبغي اختزال الضحايا في دور مصادر المعلومات. يجب إشراكهم في تحديد أولويات التدقيق والمؤسسات الأكثر حاجة إليه، وفي تصميم إجراءات الحماية والشفافية.

الوصول إلى الأرشيف

لا يمكن إجراء تدقيق جدي من دون حفظ أرشيفات الأجهزة والوزارات واللجان الرسمية، ومنع إتلافها أو العبث بها، وتنظيم الوصول القانوني إليها.

حق الرد والطعن

يجب إبلاغ الشخص بالمعلومات الجوهرية المنسوبة إليه، وتمكينه من الرد وتقديم الأدلة، ثم إصدار قرار معلل يمكن الطعن فيه أمام جهة مستقلة.

نتائج متناسبة

قد ينتهي التدقيق إلى تثبيت الشخص، أو منعه من منصب بعينه، أو استبعاده مؤقتاً، أو فرض رقابة وشروط محددة، أو إحالته إلى التحقيق الجنائي عندما تظهر أدلة على جريمة.

شفافية تحمي الخصوصية

ينبغي نشر المعايير وخلاصات القرارات المهمة بما يكفي لبناء الثقة العامة، مع حماية الضحايا والشهود والبيانات الحساسة.

مسؤولية مؤسسات المرحلة الجديدة

قد يطبق الفيتنغ الرسمي أساساً على الوظائف العامة، لكن الجامعات والمنظمات المدنية والجهات الحقوقية والإعلامية تتحمل أيضاً واجب التدقيق المؤسسي.

لا يجوز لهذه المؤسسات أن تتحول إلى منصات لغسل السير المهنية، فتقدم شخصيات قادمة من مواقع حساسة باعتبارها خبرات حقوقية من دون التحقق من ماضيها.

قبل منح أي شخص موقعاً أكاديمياً أو حقوقياً مؤثراً، يجب السؤال: هل أفصح عن تاريخه كاملاً؟ هل توجد ادعاءات جدية تتعلق بدوره السابق؟ هل مُنح أصحاب المعلومات والضحايا قناة آمنة لتقديمها؟ هل طُلب منه الرد؟ وهل تستطيع المؤسسة تفسير قرارها أمام جمهورها؟

الحياد لا يعني تجاهل الماضي، والاحتراف لا يعني الاكتفاء بالسيرة التي كتبها المرشح عن نفسه.

العدالة الانتقالية اختبار للمؤسسات الجديدة

إعادة تعويم صنّاع الرواية الأمنية ليست قضية أشخاص منفردين، بل اختبار لجدية الانتقال السوري كله.

إذا عادت الشخصيات التي ساهمت في الإنكار إلى مواقع القانون والحقوق والتعليم من دون تدقيق، فكيف سيصدق الضحايا أن الحقيقة أصبحت قيمة عامة؟ وإذا كُلّف من حمى المؤسسة القديمة من المساءلة بإصلاحها اليوم، فما الضمانة بأن تتغير قواعدها؟ وإذا ظلت السيرة الأمنية تُخفى خلف اللقب الأكاديمي، فهل تغيرت المؤسسة أم تغيرت واجهتها فقط؟

لا تحتاج سوريا إلى الانتقام، لكنها تحتاج إلى ذاكرة مؤسسية لا يمكن محوها بالألقاب. ولا تحتاج إلى اتهامات عامة، بل إلى وثائق محفوظة وتحقيقات مستقلة ومعايير تطبق على الجميع. ولا تحتاج إلى إقصاء شامل، بل إلى منع مدروس وعادل لمن تكشف الأدلة افتقارهم إلى النزاهة اللازمة للموقع العام.

قبل بناء المستقبل، اكشفوا حقيقة الماضي

العدالة الانتقالية لا تسأل فقط من ارتكب الجريمة، بل كيف أصبحت الجريمة ممكنة، ومن حماها من الكشف، وكيف يمكن منع تكرارها.

والفيتنغ هو الجسر بين هذه الأسئلة وبين إصلاح الدولة. إنه يحول الحقيقة إلى معيار للتعيين، والمساءلة إلى شرط للثقة، وذاكرة الضحايا إلى ضمانة تمنع المنظومة القديمة من العودة تحت أسماء جديدة.

من حق كل شخص أن يُسمع، وأن يدافع عن نفسه، وألا يُدان بلا دليل. لكن من حق السوريين أيضاً ألا يُطلب منهم تسليم مؤسساتهم الجديدة لمن يرفضون كشف حقيقة أدوارهم القديمة.

قبل أي منصب، يجب أن تكون هناك سيرة كاملة. وقبل أي ثقة، يجب أن يكون هناك تدقيق مستقل. وقبل أن يتولى أحدهم تعليم السوريين حقوق الإنسان، يحق لهم أن يسألوه عما فعله عندما كانت تلك الحقوق تُنتهك أمام المؤسسة التي عمل فيها.

فالتدقيق الوظيفي ليس هامشاً في العدالة الانتقالية، بل أحد اختبارات صدقيتها. وإذا لم يبدأ من الداخل، ومن صنّاع القرار والمعلومة والرواية، فقد تتغير أسماء المؤسسات، بينما يبقى داخلها النظام القديم نفسه.

Facebook
Twitter
WhatsApp
Telegram