العدالة الانتقالية ليست مشروعاً ممولاً: من يملك القرار، الضحايا أم المانحون والمنظمات؟

ميزان العدالة بين حقوق الضحايا وتأثير التمويل والمشاريع في مسار العدالة الانتقالية

حين تتحول قضية عامة إلى قطاع مهني

لا تحتاج العدالة الانتقالية في سوريا إلى المال وحده، بل إلى استقلال القرار، وشرعية التمثيل، ووضوح المسؤولية. فالتمويل يمكن أن يساعد في توثيق الجرائم، وحماية الشهود، ودعم أسر المفقودين، وتقديم المساعدة القانونية والنفسية، وبناء قدرات المؤسسات. لكنه يستطيع، في غياب الضوابط، أن يغيّر اتجاه المسار نفسه: فيحدد الموضوعات التي تُبحث، والفئات التي تحظى بالدعم، والمنظمات التي تتحدث باسم الضحايا، وحتى اللغة التي تُعرَّف بها العدالة وأولوياتها.

السؤال، إذاً، ليس ما إذا كانت العدالة الانتقالية تحتاج إلى تمويل. إنها تحتاج إليه بالتأكيد. السؤال هو: من يضع الأولويات؟ ومن يختار ممثلي الضحايا؟ ومن يملك البيانات والشهادات؟ ومن يقرر أن مشروعاً ما نجح؟ وهل تكون المنظمة مسؤولة أمام المانح الذي دفع المال، أم أمام الأشخاص الذين جُمعت قصصهم وصورهم ووثائقهم باسم العدالة؟

في التجربة السورية، نشأ خلال سنوات النزاع قطاع واسع يعمل في التوثيق وحقوق الإنسان والمفقودين والمساءلة وبناء السلام والمصالحة والعدالة الانتقالية. وقد أدى كثير من العاملين والمنظمات أدواراً لا يمكن إنكارها، خصوصاً عندما كانت المؤسسات الوطنية غائبة أو متورطة في الانتهاكات، وعندما كان جمع الدليل أو نقل شهادة أحد الناجين عملاً ينطوي على مخاطر حقيقية.

لكن الاعتراف بهذا الدور لا يعني منح أي منظمة، دولية كانت أم محلية، حصانة من النقد. فالجهة التي تطالب الدولة بالشفافية يجب أن تكون شفافة، والجهة التي تدعو إلى المساءلة يجب أن تقبل مساءلتها، والجهة التي تتحدث باسم الضحايا يجب أن تستطيع إثبات أن الضحايا شاركوا فعلاً في تحديد أولوياتها، لا أنهم استُخدموا لتبرير مشروع كُتب قبل الاستماع إليهم.

التمويل ليس تهمة… لكنه ليس تفصيلاً محايداً

من السهل الوقوع في أحد تطرفين: اعتبار كل تمويل دولي مؤامرة، أو التعامل معه بوصفه مساعدة تقنية محايدة لا تؤثر في القرار. كلا الموقفين غير دقيق.

المانح لا يقدّم المال في فراغ. لكل جهة مانحة سياساتها وأولوياتها وموازناتها ودوراتها الإدارية واعتباراتها الدبلوماسية. وهي تحدد عادةً المجالات المقبولة للتمويل، والنتائج المتوقعة، ومدة المشروع، ومؤشرات القياس، والفئات المستهدفة، وشروط التقارير.

عندما تعتمد المنظمات كلياً على هذا النظام، قد تبدأ الأولويات السورية بالتكيف مع لغة المنح، بدلاً من أن تتكيف المنح مع الأولويات السورية. تظهر مصطلحات جديدة في عشرات المقترحات في الوقت نفسه، وتتكرر المؤتمرات والتدريبات والدراسات، وتُعاد صياغة الأنشطة ذاتها تحت عناوين مختلفة، بينما تبقى احتياجات أساسية من دون تمويل لأنها طويلة الأمد، أو مكلفة، أو لا تنتج أرقاماً سريعة تصلح للتقارير.

وقد أشارت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى اختلالات مماثلة في بنية التمويل الدولي، ومنها ضعف معرفة الفاعلين المحليين بحركة الأموال وقرارات الشراكة، وتحولهم أحياناً إلى منفذين بدلاً من كونهم شركاء متساوين في القرار. كما دعت إلى إظهار ما يصل فعلياً إلى الجهات المحلية، وتوضيح أدوار الوسطاء، وبناء آليات مساءلة تجاه المجتمعات المحلية، لا تجاه الممولين وحدهم. إرشادات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بشأن الشفافية والمساءلة، 2026.

المشكلة، إذاً، لا تبدأ بمجرد تلقي المال، بل عندما يصبح استمرار المنظمة هدفاً يتقدم على القضية التي أُنشئت لخدمتها، وعندما يُصمَّم النشاط لإرضاء مؤشرات المانح لا لإحداث أثر قابل للقياس في حياة الضحايا ومسار العدالة.

الضحية ليست «مستفيداً» ولا مادة خاماً للمشروع

أخطر ما يمكن أن يصيب العدالة الانتقالية هو تحويل الضحايا من أصحاب حقوق إلى «فئة مستهدفة»، ومن شركاء في القرار إلى مورد للشهادات والصور والقصص.

قد يُطلب من الناجي أن يروي التجربة ذاتها مرات متعددة لمنظمات مختلفة. تُملأ الاستمارات، وتُلتقط الصور، وتُسجَّل المقابلات، ثم تنتهي المنحة ويبقى صاحب الشهادة من دون معلومات: أين حُفظت إفادته؟ من يستطيع الاطلاع عليها؟ هل نُقلت إلى جهة أخرى؟ هل ستُستخدم في تقرير عام أم في تحقيق جنائي؟ وهل يستطيع سحب موافقته أو تصحيح المعلومات؟

الضحية ليست دليلاً متنقلاً، وليست صورة في تقرير سنوي، وليست وسيلة لإضفاء الشرعية الأخلاقية على المنظمة. إنها صاحبة حق في الحقيقة والعدالة وجبر الضرر، ولها حق مستقل في الخصوصية والأمان والموافقة الواعية والحصول على المعلومات والمشاركة في القرارات التي تمس قضيتها.

وتؤكد مذكرة الأمين العام للأمم المتحدة بشأن العدالة الانتقالية أن هذه العدالة يجب أن تكون متمحورة حول الناس، وأن تُصمم من خلال المشاركة الفعلية للمتضررين، لا أن تُفرض عليهم كنموذج تقني جاهز. كما تؤكد برامج الأمم المتحدة الإنمائية أن الناس ليسوا مجرد متلقين لخدمات العدالة، بل شركاء في تصميم الحلول وصناعة القرار ومراقبة النتائج. مذكرة الأمين العام للأمم المتحدة بشأن العدالة الانتقالية، دليل العدالة المتمحورة حول الناس.

هذا المبدأ يفرض الانتقال من مجرد «استشارة الضحايا» إلى مشاركتهم في وضع الأولويات، واختيار البرامج، ومراقبة الإنفاق، وتقييم الأثر، وتقديم الشكاوى، والاعتراض على استخدام أسمائهم أو قصصهم لأغراض لم يوافقوا عليها.

من أعطى المنظمة حق التمثيل؟

وجود منظمة إلى جانب الضحايا لا يجعلها ممثلاً قانونياً أو سياسياً لهم. قد تقدم المنظمة دعماً مهماً، وقد تمتلك خبرة واسعة، لكنها لا تستطيع أن تمنح نفسها تفويضاً عاماً بالتحدث باسم آلاف الضحايا لمجرد أنها نظمت جلسات استماع أو نفذت مشروعاً في منطقة معينة.

التمثيل يحتاج إلى أساس واضح: انتخاب، أو تفويض صريح، أو عضوية حقيقية، أو آلية تشاورية مستمرة يمكن من خلالها مساءلة الممثلين واستبدالهم. أما اختيار عدد محدود من المشاركين في ورشة مغلقة ثم تقديم خلاصاتها بوصفها «صوت الضحايا»، فهو لا يصنع تمثيلاً مشروعاً.

حتى منظمات الضحايا نفسها ليست معفاة من هذا السؤال. من يمثل مَن؟ كيف تُختار القيادة؟ هل توجد انتخابات واجتماعات عامة وتقارير مالية؟ هل تستطيع النساء وأسر المفقودين والناجون الموجودون خارج البلاد والمجتمعات الأقل ظهوراً المشاركة؟ وهل تُسمع الآراء المخالفة داخل المنظمة؟

لا يجوز أن يُستبدل احتكار الدولة للقرار باحتكار تنظيمي جديد. العدالة الانتقالية ليست ملكاً للحكومة، لكنها ليست ملكاً للمنظمات أيضاً.

المنظمات الدولية: الخبرة لا تمنح الوصاية

يمكن للمنظمات الدولية أن توفر خبرة مقارنة، وتمويلاً، وتدريباً، وحماية، ووصولاً إلى آليات دولية. وقد يكون وجودها ضرورياً في بعض المراحل لضمان المعايير المهنية والاستقلال عن الاستقطابات الداخلية.

لكن الخبير الدولي ليس صاحب الولاية، والتجربة الأجنبية ليست وصفة جاهزة. ما نجح في كولومبيا أو جنوب أفريقيا أو البوسنة أو سيراليون لا يمكن نقله إلى سوريا بمجرد تغيير أسماء المؤسسات.

لكل تجربة بنيتها الدستورية، وميزان القوى فيها، وطبيعة جرائمها، وقدرة قضائها، وشكل اتفاقها السياسي. والاستفادة من الخبرات المقارنة يجب أن تساعد السوريين على اتخاذ القرار، لا أن تستبدل قرارهم.

الخطر يظهر عندما تصبح المنظمة الدولية وسيطاً إلزامياً بين المانح والمنظمة المحلية، فتحتفظ بالقرار والظهور ونسبة كبيرة من الموارد، بينما تتولى الجهة السورية الوصول إلى الضحايا وجمع البيانات وتنفيذ الأنشطة وتحمل المخاطر.

وتشير إرشادات حديثة بشأن التنمية المحلية القيادة إلى أن الوسطاء الدوليين قد يحتفظون بالتمويل والظهور وسلطة القرار، في وقت تبقى فيه المعلومات المتعلقة بما يصل إلى الشركاء المحليين جزئية وغير واضحة. الحل ليس إلغاء دور الوسيط، بل إلزامه بكشف تكلفة وساطته، وحجم الموارد المحولة، ومعايير اختيار الشركاء، وتوزيع القرار والمخاطر بينهم. إرشادات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بشأن دور الوسطاء الدوليين.

محلية المنظمة لا تعني تلقائياً أنها نزيهة أو ممثلة

في المقابل، ليس صحيحاً أن كل ما هو محلي يمثل المجتمع أو يحمي قراره. فقد تعيد بعض المنظمات المحلية إنتاج ممارسات المؤسسات الدولية التي تنتقدها: تركّز القرار بيد شخص واحد، وتوظف عبر العلاقات، وتخفي الموازنة، وتكرر أسماء المستفيدين، وتستخدم العنوان الحقوقي للوصول إلى التمويل والنفوذ.

وقد تُنشأ منظمات مرتبطة بمشروع واحد، أو تتحول مؤسسة غير متخصصة فجأة إلى العمل في العدالة الانتقالية لأن التمويل اتجه إليها. وقد تتكرر المشاريع والدراسات من دون تنسيق أو نشر للنتائج، فيدفع أكثر من مانح مقابل النشاط ذاته أو المادة ذاتها.

لا يجوز وصف هذه الحالات بالفساد من دون أدلة، ولا يجوز اتهام أشخاص أو مؤسسات بالاتجار بقضايا الضحايا استناداً إلى الشك أو الخلاف السياسي. لكن غياب الدليل العلني لا يعني أن نكتفي بالثقة. العلاج القانوني ليس التشهير، بل بناء نظام إفصاح وتدقيق وشكاوى يجعل التحقق ممكناً.

ينبغي أن تكون صفة «منظمة محلية» بداية لفحص الشرعية والمساءلة، لا نهايته.

الوثائق والشهادات ليست ملكية خاصة للمنظمة

تجمع منظمات سورية ودولية كميات كبيرة من البيانات الحساسة: أسماء الضحايا والشهود، تفاصيل أماكن الاحتجاز، صور الجثامين، البيانات الطبية، مواقع المقابر، الروابط العائلية، نسخ الوثائق، الإفادات المتعلقة بالعنف الجنسي، وأحياناً معلومات قد تقود إلى تحديد هوية مشتبه بهم.

هذه البيانات ليست أصلاً تجارياً للمنظمة، ولا يجوز استخدامها لجذب التمويل أو مشاركتها تلقائياً مع كل شريك أو مانح. كما أن نقلها إلى سلطة رسمية أو آلية دولية يحتاج إلى أساس قانوني واضح وتقييم للمخاطر وموافقة تتناسب مع الغرض، ما لم يسمح القانون باستثناء محدد وضروري.

ويؤكد دليل اللجنة الدولية للصليب الأحمر بشأن حماية البيانات في العمل الإنساني ضرورة تطبيق مبادئ حماية البيانات عند معالجة معلومات الأشخاص المتضررين، خصوصاً في البيئات الخطرة واستخدام التقنيات الحديثة. دليل حماية البيانات في العمل الإنساني.

ينبغي لذلك أن تلتزم كل منظمة تعمل في ملفات العدالة الانتقالية بما يأتي:

  • تحديد الغرض من جمع البيانات قبل الحصول عليها.
  • الحصول على موافقة واعية ومحددة كلما كان ذلك ممكناً.
  • عدم جمع معلومات تفوق حاجة المشروع.
  • الفصل بين البيانات المستخدمة للدعم الإنساني وتلك المعدة للتحقيق الجنائي.
  • تحديد من يملك صلاحية الاطلاع والنقل والنسخ.
  • تشفير البيانات ووضع خطط للاستجابة للاختراقات.
  • إبلاغ أصحاب البيانات بالجهات التي ستتلقاها.
  • وضع مدة للاحتفاظ بالمعلومات وقواعد لإتلافها أو أرشفتها.
  • تمكين صاحب الإفادة من التصحيح أو الانسحاب ضمن الحدود القانونية الممكنة.
  • منع استخدام الشهادات والصور لأغراض إعلامية أو تمويلية من دون موافقة مستقلة.

والأهم أن انتهاء المشروع أو إغلاق المنظمة لا يجوز أن يترك الأرشيف بلا مسؤول. يجب تحديد مصير البيانات والوثائق منذ البداية، ومنع انتقالها إلى موظفين أو مؤسسات أخرى بقرار داخلي غير خاضع للرقابة.

التوثيق ليس تحقيقاً جنائياً

قد تجمع المنظمة معلومات ذات قيمة قضائية، لكنها لا تصبح بذلك نيابة عامة أو محكمة. وينبغي ألا تقدم الأشخاص بوصفهم مجرمين قبل صدور أحكام قضائية، أو تنشر أسماءهم بطريقة تنتهك قرينة البراءة أو تعرض الشهود للخطر.

كما يجب التمييز بين مقابلة هدفها إعداد تقرير حقوقي، ومقابلة نفسية، وتسجيل لغرض المناصرة، وإفادة يمكن استخدامها في ملف جنائي. لكل منها غرض ومعايير وضمانات مختلفة.

عندما لا توضح المنظمة هذا الفرق، قد تعرّض الضحية لإعادة الاستجواب، أو تنتج تناقضات ظاهرية في الإفادات، أو تضعف سلسلة حفظ الأدلة، أو تمنح وعوداً بالمحاسبة لا تملك تحقيقها.

ولهذا يجب أن تخضع الجهات التي تجمع أدلة محتملة لبروتوكولات مهنية موحدة، وتدريب مختص، وتنسيق قانوني يضمن حماية الدليل وحقوق صاحبه وحقوق الشخص الذي قد يُستخدم الدليل ضده.

كيف نحمي القرار الوطني دون إغلاق الباب أمام الدعم؟

السيادة الوطنية لا تعني أن تنفرد الحكومة بالعدالة الانتقالية، كما أن الاستقلال عن الحكومة لا يعني نقل القرار إلى المانحين. المطلوب بنية متعددة الأطراف يكون فيها الضحايا وأسر المفقودين والمجتمع المدني والحقوقيون والقضاء والسلطات العامة شركاء ضمن اختصاصات معلنة، مع رقابة متبادلة ومنع لتضارب المصالح.

ويمكن البدء بحزمة عملية من الضمانات:

أولاً: سجل علني للتمويل والمشاريع

ينبغي إنشاء منصة تنشر فيها كل جهة عاملة في العدالة الانتقالية:

  • اسم المشروع والجهة المنفذة.
  • مصدر التمويل وقيمته ومدته.
  • الوسطاء ونسب التمويل التي احتفظوا بها.
  • الشركاء المحليون وحصة كل منهم.
  • المنطقة والفئات المستهدفة.
  • الأهداف والمخرجات والنتائج.
  • الدراسات والمواد التي أُنتجت بأموال عامة أو مانحة.
  • حالات التمويل المشترك أو المتكرر.

ولا يعني النشر كشف معلومات أمنية أو بيانات الضحايا؛ بل كشف حركة المال والقرار.

ثانياً: فصل التمويل عن حق التمثيل

لا يجوز أن يمنح المانح مقعداً في هيئة استشارية لمنظمة لمجرد أنه يمولها، ولا أن تصبح قيمة المنحة معياراً لحجم التأثير السياسي. ينبغي اختيار ممثلي المجتمع المدني والضحايا عبر إجراءات علنية تقوم على الكفاءة والتمثيل الفعلي وتضارب المصالح.

ثالثاً: مجالس مستقلة للضحايا

تحتاج آليات العدالة الانتقالية إلى مجالس أو منتديات للضحايا، بتمثيل متنوع وقواعد انتخاب أو تفويض واضحة، وميزانية مستقلة لا تمر بالكامل عبر المنظمات التي يُفترض أن تراقبها هذه المجالس.

رابعاً: الإفصاح عن تضارب المصالح

يجب أن يفصح المسؤولون وأعضاء الهيئات والخبراء والمنظمات عن:

  • العلاقات المالية مع المانحين والمتعاقدين.
  • العضوية المتزامنة في مؤسسات قد تتداخل مصالحها.
  • القرابة والمصالح المهنية المؤثرة في التوظيف أو التعاقد.
  • الانتقال بين المناصب الرسمية والمنظمات والمشاريع المرتبطة بالاختصاص نفسه.
  • أي منفعة مالية قد تنتج عن قرار أو إحالة أو شراكة.

خامساً: آلية شكاوى مستقلة

لا تكفي عناوين البريد الداخلي. يجب وجود قناة مستقلة وآمنة يستطيع الضحايا والموظفون والشركاء من خلالها تقديم شكاوى عن إساءة استخدام البيانات، أو الاستغلال، أو تضارب المصالح، أو التمييز، أو الفساد، أو الانتقام من المبلغين.

ويجب إعلان إجراءات التحقيق والمدة المتوقعة والنتائج العامة، مع حماية الخصوصية.

سادساً: تدقيق مالي ومهني

التدقيق المالي وحده يثبت وجود الفواتير، لكنه لا يثبت أن المشروع كان ضرورياً أو حقق أثراً. لذلك يجب الجمع بين التدقيق المالي وتقييم مهني مستقل يسأل:

  • هل شارك الضحايا في تصميم المشروع؟
  • هل تكرر النشاط الذي نفذته جهة أخرى؟
  • هل وصلت الموارد إلى الفئات المعلنة؟
  • هل تحسن الوصول إلى العدالة أو المعلومات أو الخدمات؟
  • هل حُميت البيانات؟
  • هل استمرت النتائج بعد انتهاء التمويل؟
  • هل يستطيع المستفيدون انتقاد المشروع من دون خسارة الدعم؟

سابعاً: قياس النتائج لا عدد الأنشطة

عدد الورش والحضور والتقارير ليس دليلاً على الأثر. المشروع الناجح هو الذي يساعد أسرة في معرفة مصير مفقود، أو يحفظ دليلاً بصورة قانونية، أو يمكّن ضحية من الوصول إلى القضاء، أو يرد حقاً، أو يصلح إجراءً مؤسسياً، أو يمنع تكرار انتهاك.

المساءلة ليست حرباً على المجتمع المدني

الدعوة إلى مساءلة المنظمات قد تُستغل لتقييد المجتمع المدني أو تشويه المدافعين عن حقوق الإنسان. ولذلك يجب رفض استخدام هذا النقد ذريعةً للتدخل الأمني، أو فرض تراخيص تعسفية، أو كشف بيانات الضحايا، أو معاقبة المنظمات المستقلة.

المطلوب ليس إخضاع المنظمات للسلطة التنفيذية، بل إخضاع الجميع لقواعد قانونية عادلة ومستقلة: الحكومة، والهيئة الوطنية، والمنظمات الدولية، والمنظمات المحلية، والمانحون والوسطاء.

المعيار الإنساني الأساسي للجودة والمساءلة يعرّف المساءلة باعتبارها استخدام السلطة بصورة مسؤولة، ووضع المجتمعات المتأثرة في مركز القرارات التي تمسها، وتمكينها من محاسبة الجهات التي تدعمها. وهذا المبدأ يصلح أساساً للعمل في العدالة الانتقالية أيضاً. المعيار الإنساني الأساسي للجودة والمساءلة، إصدار 2024.

رأي قانوني: لا حصانة تحت راية الضحايا

العدالة الانتقالية ليست منحة، والضحية ليست بنداً في موازنة، والمنظمة ليست صاحبة الحق لمجرد أنها وصلت إلى التمويل قبل غيرها.

ليس كل تمويل فساداً، وليست كل منظمة تاجراً، وليست الخبرة الدولية وصاية بالضرورة. لكن حسن النية لا يعفي من الإفصاح، والعمل الحقوقي لا يمنح حصانة من التدقيق، وصفة «محلية» لا تثبت التمثيل، وصفة «دولية» لا تمنح حق قيادة القرار.

كل جهة تجمع المال أو البيانات أو النفوذ باسم الضحايا يجب أن تخضع لمعيار أعلى من الشفافية، لا لمعيار أخف. فمن غير المقبول أن تطالب منظمة الدولة بكشف موازناتها وقراراتها، ثم تعتبر موازنتها وشروط تمويلها وشراكاتها شأناً داخلياً.

التمويل الذي يساعد الضحايا على امتلاك القرار هو دعم للعدالة. أما التمويل الذي يستخدم حضورهم لإضفاء الشرعية على قرارات اتُخذت من دونهم، فهو يعيد إنتاج علاقة السلطة نفسها التي يفترض بالعدالة الانتقالية أن تفككها.

إذا تحكمت الحكومة وحدها بالمسار، تحولت العدالة إلى أداة سياسية. وإذا تحكم المانحون بأولوياته، أصبحت امتداداً لسياساتهم. وإذا احتكرته المنظمات، تحول إلى قطاع مهني مغلق. وإذا تُرك بلا تمويل ومؤسسات، بقي مجرد خطاب أخلاقي عاجز.

الحل ليس إبعاد أي من هذه الأطراف، بل منع أي طرف منها من امتلاك المسار. يجب أن تبقى الخبرة في خدمة القرار، والتمويل في خدمة الحقوق، والمنظمات في خدمة أصحاب القضية.

أما القرار النهائي فيجب أن يعود إلى مجتمع يعرف ما وقع عليه، وإلى ضحايا لا يُستدعون لتزيين المشاريع، بل يشاركون في وضعها ومراقبتها ومحاسبة القائمين عليها.

فالسؤال الذي يجب أن يوجَّه إلى كل جهة تعمل باسم العدالة الانتقالية ليس فقط: كم أنفقت؟ وماذا نفذت؟ بل أيضاً: من منحك سلطة تحديد الأولويات؟ ومن يستطيع محاسبتك؟ وماذا يبقى للضحايا عندما ينتهي التمويل؟

Facebook
Twitter
WhatsApp
Telegram
ميزان العدالة بين حقوق الضحايا وضمانات المحاكمة العادلة في مسار العدالة الانتقالية السوري

قانون العدالة الانتقالية المرتقب في سوريا: ما الضمانات التي يجب أن يتضمنها؟

بين حق الضحايا في العدالة وخطر بناء سلطة استثنائية جديدة: قراءة قانونية في الضمانات التي ينبغي أن يتضمنها قانون العدالة الانتقالية السوري المرتقب، من استقلال الهيئة والمحاكمات العادلة إلى كشف الحقيقة وجبر الضرر ومنع الإفلات من العقاب.