أعاد تداول مقطع لوزير الأوقاف السوري محمد أبو الخير شكري النقاش حول معنى المؤسسة العامة وحدود لغة المسؤول. ونقلت تغطية «عربي21» المنشورة في 22 أيلول/سبتمبر 2026 عنه عبارة: «الوزارة عندي يا أخوانا أجلكم الله مثل شحاطتي». وأشارت التغطية إلى تداول معلومات تُرجع اللقاء إلى نيسان/أبريل 2025؛ لذلك نتناول هنا تصريحاً متداولاً، من دون الجزم بتاريخ تسجيله الأصلي. تغطية التصريح وسياقه.
قد يكون المقصود الشخصي من العبارة بسيطاً: أن الوزير غير متمسك بالمنصب، وأن الوظيفة الوزارية ليست غاية بالنسبة إليه، وأنه مستعد لمغادرتها والعودة إلى عمله السابق. وهذه، في ذاتها، ليست فكرة مستهجنة؛ بل إن عدم اعتبار المنصب ملكاً شخصياً لصاحبه يفترض أن يكون من بديهيات العمل العام.
لكن المشكلة تبدأ في اللحظة التي يختفي فيها الفاصل بين المنصب والوزارة.
فالوزير يستطيع أن يزهد في منصبه، لكنه لا يملك أن يزهد في المؤسسة التي اؤتمن عليها. يستطيع أن يقول إن الكرسي لا يعني له شيئاً، لكن الوزارة ليست الكرسي. يستطيع أن يغادر غداً، لكن الوزارة لا تغادر معه.
وهذا التمييز ليس لغوياً، بل يقع في صميم فكرة الدولة.
أولاً: الوزارة ليست ملكاً للوزير
في الدولة المؤسسية لا يمتلك الوزير وزارته. هو يشغل موقعاً قانونياً مؤقتاً في مؤسسة دائمة نسبياً، ويتولى اختصاصات لم ينشئها بنفسه ولا تزول بخروجه.
الوزارة ليست مكتب الوزير ولا سيارته ولا لقبه ولا امتيازاته؛ إنها جهاز من أجهزة الدولة، لها اختصاصات وموظفون وسجلات وأموال ومرافق والتزامات وحقوق وذاكرة مؤسساتية، وتقوم بوظائف عامة تتجاوز الشخص الذي يتولى رئاستها.
وهذا الفارق هو أحد الفوارق الجوهرية بين الدولة الشخصية والدولة المؤسسية.
في الأولى يصبح الحاكم هو السلطة، والوزير هو الوزارة، والمدير هو الإدارة؛ وتكتسب المؤسسة قيمتها من الشخص الموجود على رأسها.
أما في الثانية فالعلاقة معكوسة: يستمد المسؤول سلطته من المؤسسة والقانون، ولا تستمد المؤسسة وجودها أو كرامتها من المسؤول.
ومن هنا فإن عبارة «الوزارة عندي مثل شحاطتي» تثير مشكلة تتجاوز مستوى الذوق العام. فـ«الشحاطة» شيء شخصي يملكه الإنسان، يستخدمه ويخلعه ويتخلص منه بإرادته. أما الوزارة فليست مملوكة للوزير، ولا يستطيع التعامل معها قانوناً باعتبارها امتداداً لذاته.
وهذه ليست مسألة رمزية فحسب، بل إحدى المسائل المركزية في بناء الدولة السورية الجديدة.
ثانياً: المسألة في ميزان قانون العقوبات السوري
ليس كل كلام مستهجن يصدر عن مسؤول جريمة. فمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات يقتضي تحديد النص المنطبق وإثبات أركانه، ولا يجيز تحويل الاستهجان السياسي إلى إدانة جزائية.
تميز المادة 375 من قانون العقوبات السوري بين الذم، القائم على إسناد أمر ينال من الشرف أو الكرامة، والقدح الذي لا يتضمن إسناد واقعة محددة. وتتناول المادة 378 القدح العلني الموجه، ضمن جهات أخرى، إلى الإدارات العامة. ومن هنا يمكن طرح سؤال التكييف في ضوء المادتين، لا تقرير تحققه مسبقاً. قانون العقوبات، المادتان 375 و378.
أما المادة 287/1، بصيغتها المعدلة بالقانون رقم 15 لعام 2022، فتتناول إذاعة أنباء كاذبة أو مبالغ فيها من شأنها النيل من هيبة الدولة أو مكانتها. والتشبيه محل النقاش لا يبدو، بذاته، إخباراً بواقعة؛ لذلك لا يكفي عنوان «النيل من هيبة الدولة» لإخضاعه تلقائياً لهذا النص. القانون رقم 15 لعام 2022، المادة 12.
هذا تحليل لاحتمال التكييف، وليس تقريراً باستيفاء شروط الملاحقة أو بإدانة شخص. وأي تطبيق قضائي يستلزم تثبيت النص النافذ زمن الواقعة، والاختصاص والإجراءات الواجبة، إلى جانب مضمون القول وسياقه.
ثالثاً: السياق والقصد وحدود الاستنتاج
السؤال الأول هو تحديد المقصود: هل استهدف الكلام الوزارة كمؤسسة عامة، أم كان تعبيراً عامياً عن عدم التمسك بالمنصب؟ ولا يحسم اقتطاع العبارة من سياقها هذا السؤال.
والسؤال الثاني يتعلق بظروف القول والنشر وتوافر العلنية وفق النص القانوني. فانتشار مقطع لاحقاً لا يغني وحده عن بحث ظروف صدوره، وكيفية تسجيله وتداوله، ومدى إمكان نسبة الفعل إلى صاحبه قانوناً.
أما السؤال الثالث فيتعلق بالقصد الجرمي. فالتفسير القائل إن الوزير أراد التعبير عن استعداده للمغادرة يستحق المناقشة الجدية، ولا يجوز إسقاطه لمجرد استهجان التشبيه.
لذلك لا يقدم هذا المقال حكماً قضائياً أو سابقة قضائية مطابقة. إنه يميز بين سؤال قانوني قابل للبحث ومسؤولية سياسية ومؤسساتية أوسع. فقد تكون العبارة مستوجبة للنقد العام، حتى عندما لا يثبت أنها تشكل جريمة.
كما أن المساواة أمام القانون لا تستدعي توسيع تجريم التعبير. فالمطلوب مساءلة المسؤول وفق القانون وضماناته، ومراجعة النصوص التي تقيد النقد المشروع، لا تعميم القيود على الجميع.
رابعاً: القانون يحمي المؤسسة، لا غرور المسؤول
وهنا نصل إلى فلسفة النص القانوني.
تستمد المؤسسة احترامها من التزامها بالقانون وخدمتها للناس وقابليتها للمساءلة. وهذا يقتضي التمييز بين احترام الوظيفة العامة وتحصين السلطة من النقد.
فالحماية القانونية لهيبة المؤسسة لا ينبغي فهمها باعتبارها وسيلة لإسكات المواطن أو حماية المسؤول من النقد.
الدولة الديمقراطية لا تحتاج إلى مواطن يخشاها؛ بل تحتاج إلى مواطن يثق بمؤسساتها.
ولهذا يجب التمييز بين هيبة الدولة وهيبة الحاكم.
انتقاد الوزير ليس إهانة للدولة. المطالبة بمحاسبته ليست مساساً بهيبتها. والسخرية من أداء الحكومة لا تعني بالضرورة الاعتداء على الدولة.
بل إن حرية نقد السلطة يمكن أن تكون إحدى أدوات حماية الدولة من أخطاء من يحكمونها.
أما المؤسسة العامة نفسها فشيء آخر: يجب ألا تتحول إلى ملك شخصي لمسؤول، ولا إلى مادة للامتهان من المسؤول ذاته.
ومن هنا تظهر المفارقة: الغاية المشروعة من حماية هيبة الدولة ليست رفع المسؤول فوق المواطن، وإنما منع استملاك المؤسسة وإخضاع المسؤول لأحكام القانون، مع صون حقوق المواطن وحرياته.
خامساً: من الدولة الشخصية إلى دولة المؤسسات
هنا تتجاوز الواقعة قانون العقوبات إلى علم السياسة.
من المشكلات التقليدية في الدول الهشة أو الخارجة من أنظمة سلطوية أن المؤسسات لا تكون قد اكتسبت استقلالاً كافياً عن الأشخاص.
في الدولة الشخصية يقال:
وزارة فلان، جيش فلان، قضاء فلان، أجهزة فلان.
أما عملية بناء الدولة فتسير في الاتجاه المعاكس:
الأشخاص يأتون ويذهبون؛ المؤسسة تبقى.
وتعني المأسسة، في هذا السياق، بناء قواعد وإجراءات وتنظيمات قادرة على الاستمرار بعد مغادرة القائمين عليها. ومن منظور سياسي واجتماعي، يتعلم الناس معنى السلطة من ممارساتها ولغتها، كما يتعلمونه من نصوصها.
وهذا مهم بصورة استثنائية في سوريا اليوم.
فالبلاد ليست في مرحلة إدارة عادية لدولة مستقرة؛ إنها في مرحلة انتقالية يفترض أن يعاد خلالها بناء العلاقة بين المجتمع والدولة، وبين السلطة والقانون، وبين المواطن والمؤسسة.
وقد أعلنت لجنة صياغة الإعلان الدستوري في آذار/مارس 2025 أن الإعلان يتضمن ضمانات لحرية الرأي والتعبير والإعلام والنشر والصحافة. وهذا يضع النقاش حول مسؤولية الوزير داخل إطار حماية النقد العام أيضاً. تصريحات اللجنة عند توقيع الإعلان الدستوري.
لذلك فإن الثقافة التي ينتجها المسؤولون في هذه المرحلة ليست تفصيلاً.
كل وزير في مرحلة تأسيسية لا يدير وزارته فقط؛ إنه يساهم، بقصد أو من دونه، في تعليم المجتمع ما هي الدولة.
سادساً: الدولة التي تبقى بعد رجالها
من أهم معايير نجاح بناء الدولة قدرة مؤسساتها على الاستمرار مستقلة عن الأشخاص الذين يتولون إدارتها. فالدولة لا تكتمل مؤسسياً عندما يكون لديها مسؤولون أقوياء فحسب، وإنما عندما تصبح لديها مؤسسات تستطيع العمل والاستمرار وتداول المسؤولية حتى بعد مغادرة هؤلاء المسؤولين.
وهنا يكمن أحد الفروق الجوهرية بين رجل السلطة ورجل الدولة: الأول قد يقيس قوته بمقدار ما يرتبط الجهاز العام بشخصه، أما الثاني فتظهر قيمة عمله في مقدار ما يترك وراءه مؤسسة أقوى وأكثر استقلالاً وقدرة على الاستمرار من دونه.
فالمسؤول، مهما علا منصبه، مؤقت بطبيعته؛ أما المؤسسة العامة فالأصل فيها الاستمرار. وهو لا يمنحها قيمتها ولا شخصيتها، وإنما يستمد منها اختصاصه وصفته العامة. لذلك فإن المنصب ليس ملكاً شخصياً يمكن لصاحبه أن يتعامل معه بمنطق الأخذ والترك، والمؤسسة ليست شيئاً ملحقاً به ينتهي مع انتهاء علاقته بها.
وهذه الفكرة تكتسب وزناً مضاعفاً في المراحل التأسيسية والانتقالية. ففي الدولة المستقرة قد تكون المؤسسات راسخة إلى درجة تستطيع معها امتصاص أخطاء الأشخاص وتبدل الحكومات، أما في الدولة الخارجة من صراع طويل ومن تجربة عميقة في شخصنة السلطة، فإن كل ممارسة صادرة عن مسؤول رفيع تسهم إما في ترسيخ منطق المؤسسة أو في إعادة إنتاج منطق الشخص.
والقاعدة التي ينبغي أن تحكم الوظيفة العامة في مثل هذه المرحلة بسيطة في صياغتها وعميقة في معناها:
المسؤول يرحل، والدولة تبقى؛ والنجاح الحقيقي للمسؤول لا يقاس بمقدار حضور شخصه داخل المؤسسة، بل بمقدار قدرة المؤسسة على البقاء والعمل بعد غيابه.
ومن هذا المنظور يمكن التمييز بين موقفين: أن يكون المسؤول مستعداً لمغادرة منصبه أمر طبيعي، بل وصحي في ثقافة تداول المسؤولية؛ أما أن يقترن ذلك بتشبيه المؤسسة العامة بشيء شخصي يمكن خلعه ورميه، فهنا ينتقل النقاش من الزهد بالمنصب إلى معنى المؤسسة نفسها في وعي من يديرها.
سابعاً: لماذا تصبح المسألة أخطر في وزارة الأوقاف تحديداً؟
ليست وزارة الأوقاف وزارة هامشية في البناء السوري.
وتنبع حساسيتها من اتصال عملها بالشأن الديني وبالعلاقة بين مؤسسات الدولة والمجتمع. ويتقاطع النقاش حولها مع مسائل متعددة:
الدين والدولة، والخطاب الديني، والمساجد، والأئمة والخطباء، والأموال الوقفية، والتعليم الديني، والسلم الأهلي، وعلاقة المكونات الدينية ببعضها، وعلاقة المؤسسة الدينية بالسلطة السياسية.
في مجتمع خرج من حرب طويلة استُخدمت خلالها الهويات الدينية والمذهبية في التعبئة والصراع، تصبح إدارة هذه المساحة إحدى وظائف الاستقرار الاجتماعي، لا مجرد إدارة للشعائر.
ولهذا ينبغي أن يقوم خطابها العام على المسؤولية واحترام التنوع وصون كرامة الناس، وأن يخضع أداؤها للنقد والمساءلة شأنها شأن سائر المؤسسات.
ومن ثم فإن لغة رئيس هذه المؤسسة ليست شأناً شخصياً بالكامل.
ثامناً: هيبة المؤسسة لا تعني «قدسيتها» بمعنى تحصينها من النقد
قد يكون من المغري القول إن مؤسسات الدولة «مقدسة».
لكن في دولة القانون، الأفضل ضبط هذا المفهوم.
لا توجد مؤسسة بشرية فوق النقد والمساءلة.
وتؤكد اللجنة المعنية بحقوق الإنسان في التعليق العام رقم 34، ولا سيما الفقرة 38، أن الشخصيات العامة عرضة للنقد والمعارضة، وأنه لا ينبغي حظر انتقاد المؤسسات كالإدارة والجيش. لذلك لا يصح تحويل الدفاع عن المؤسسة إلى دعوة لتجريم النقد أو السخرية لمجرد حدتهما. التعليق العام رقم 34.
الوزارة تخطئ. والوزير يُنتقد. والقرارات الإدارية يمكن الطعن فيها. والسياسات العامة يمكن وصفها بالفاشلة إذا قامت الأدلة على ذلك. والفساد داخل المؤسسة يجب كشفه لا إخفاؤه باسم هيبة الدولة.
لذلك فإن «قدسية المؤسسة» في الفكر الدولتي السليم لا تعني حصانتها من النقد.
إنما تعني شيئاً مختلفاً:
حرمة الوظيفة العامة من الاستملاك الشخصي.
أي أن الوزارة ليست ملكاً للحكومة، والحكومة ليست ملكاً للحزب، والدولة ليست ملكاً للحاكم.
وهذه ربما أهم قاعدة تحتاجها سوريا في مرحلتها الانتقالية.
تاسعاً: المسؤول في المرحلة الانتقالية ليس موظفاً عادياً في زمن عادي
في الدول المستقرة توجد ذاكرة مؤسساتية راسخة تستطيع أحياناً امتصاص أخطاء المسؤولين.
أما في المرحلة الانتقالية فالسلوك نفسه يحمل أثراً مضاعفاً.
لأن الناس يراقبون السلطة الجديدة بحثاً عن إجابة لسؤال جوهري:
هل تغيرت الدولة أم تغير الأشخاص فقط؟
ولهذا تصبح اللغة جزءاً من عملية بناء الشرعية.
عندما يتعامل الوزير مع الوزارة باعتبارها أمانة عامة، يرسخ ثقافة المؤسسة.
وعندما يتصرف المسؤول وكأن الجهاز العام ملكه، يعيد إنتاج نموذج الدولة الشخصية حتى لو كانت نياته مختلفة تماماً.
وهنا لا نتحدث عن وزير الأوقاف كشخص بقدر ما نتحدث عن نموذج للحكم ينبغي أن يناقش في سوريا الجديدة.
فمن أخطر ما يمكن أن يحدث في مرحلة انتقالية أن تسقط رموز النظام القديم بينما تبقى ثقافة السلطة القديمة: شخصنة المؤسسة، الخلط بين الدولة والحاكم، اعتبار المنصب غنيمة، أو التعامل مع المرفق العام باعتباره امتداداً لإرادة المسؤول.
الدولة الجديدة لا تُبنى فقط بتغيير الأشخاص.
تُبنى بتغيير معنى السلطة في أذهان من يمارسونها.
عاشراً: المفارقة القانونية والسياسية
هنا نصل إلى قلب القضية.
لقد صاغ القانون السوري نصوصاً تعاقب، ضمن شروط محددة، المواطن الذي يوجه القدح إلى الإدارات العامة.
ومن المشروع بالتالي طرح السؤال:
إذا كان القانون يطلب من المواطن احترام المؤسسة العامة، فهل يجوز أن يكون معيار احترام المؤسسة أقل صرامة بالنسبة لمن يرأسها؟
قانونياً، الجواب يحتاج إلى قضاء وتحقيق في القصد والسياق وأركان الجريمة.
أما مؤسساتياً، فالمسألة أوضح:
كلما ارتفعت مرتبة المسؤول، ازدادت مسؤوليته عن اللغة التي يستخدمها تجاه المؤسسة التي يمثلها.
ليس لأن الوزير أكثر قيمة من المواطن.
بل لأن كلامه يصدر مقترناً بسلطة الدولة.
خاتمة: الوزير عابر، والوزارة باقية
القضية في النهاية ليست «شحاطة».
وليست معركة لغوية حول كلمة عامية.
كما أنها لا تستدعي تضخيم كل زلة لفظية لمسؤول وتحويلها آلياً إلى قضية جزائية.
القضية أعمق من ذلك.
إنها تتعلق بالثقافة التي ستقوم عليها الدولة السورية بعد واحدة من أكثر مراحل تاريخها تدميراً لمؤسساتها وثقة مواطنيها بها.
يمكن لوزير أن يستقيل غداً.
ويمكن لرئيس أن يغادر.
ويمكن لحكومة كاملة أن تسقط أو تتغير.
وهذا كله طبيعي في الدولة.
أما الذي لا ينبغي أن يسقط بسقوطهم فهو المؤسسة.
ولهذا فإن العبارة الصحيحة في منطق الدولة ليست:
اعتبار الوزارة متاعاً شخصياً يتخلى عنه صاحبه.
بل إن المعنى الذي ينبغي أن يحكم الوظيفة العامة هو العكس تماماً:
أنا عابر، والوزارة باقية.
أنا أستمد صفتي منها، ولا تستمد هي قيمتها مني.
أنا مؤتمن عليها، ولست مالكاً لها.
وحين أغادرها، ينبغي أن أتركها أقوى مما وجدتها.
هذا هو الفارق بين شغل منصب وبناء دولة.
وسوريا في مرحلتها الانتقالية لا تحتاج فقط إلى مسؤولين جدد، بل إلى إعادة تأسيس مفهوم المسؤول نفسه: شخص يتولى سلطة لا يملكها، ويدير مؤسسة لا تخصه، لمدة محدودة، تحت القانون، ثم يغادرها وتبقى هي.
ومن هنا أيضاً ينبغي التعامل مع تصريح وزير الأوقاف: لا باعتباره مناسبة للتشهير بشخص، ولا لإصدار إدانة جزائية مسبقة، وإنما باعتباره مناسبة لفتح نقاش أكبر وأكثر ضرورة:
هل نبني في سوريا دولة رجال، أم نبني مؤسسات تستطيع أن تبقى عندما يرحل الرجال؟

