تمثل محاكمة عاطف نجيب، الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا، وأحمد بدر الدين حسون، مفتي الجمهورية السابق، واحدة من أهم المحطات في مسار العدالة الانتقالية السورية. ولا تنبع أهمية المحاكمتين من صفة المتهمين أو رمزيتهما السياسية فحسب، بل من الأسئلة القانونية العميقة التي تثيرانها حول طبيعة المسؤولية الجنائية، وحدود القانون الوطني، وعلاقة القضاء السوري بالقانون الدولي.
هذه المحاكمات ليست مجرد استجابة لغضب اجتماعي مشروع تراكم طوال سنوات، بل هي اختبار لقدرة الدولة السورية الجديدة على الانتقال من منطق الانتقام إلى منطق العدالة، ومن الإدانة السياسية العامة إلى إثبات المسؤولية الفردية أمام قضاء مستقل.
عاطف نجيب: المسؤولية عن الأوامر والانتهاكات المباشرة
بدأت محاكمة عاطف نجيب أمام محكمة الجنايات الرابعة في دمشق في 26 نيسان/أبريل 2026، على خلفية اتهامات مرتبطة بقمع الاحتجاجات السلمية في درعا عام 2011. وقد استمعت المحكمة، خلال جلساتها اللاحقة، إلى شهادات تناولت القتل والتعذيب والاعتقال ومنع إسعاف المصابين وغيرها من الانتهاكات المنسوبة إلى أجهزة الأمن.
من منظور القانون السوري، يمكن بحث مسؤولية نجيب استناداً إلى أحكام قانون العقوبات المتعلقة بالقتل والإيذاء والتحريض والتدخل وإصدار الأوامر، إلى جانب قانون تجريم التعذيب رقم 16 لعام 2022. غير أن تطبيق قانون صدر عام 2022 على أفعال سابقة يقتضي معالجة دقيقة لمبدأ عدم رجعية القوانين الجزائية، وعدم الاستناد إليه بأثر رجعي إذا كان أشد على المتهم.
أما دولياً، فقد تُطرح مسؤوليته ضمن مفهوم الجرائم ضد الإنسانية إذا ثبت أن الأفعال كانت جزءاً من هجوم واسع النطاق أو منهجي موجّه ضد السكان المدنيين، وأن المتهم كان عالماً بهذا السياق وساهم فيه.
كما يمكن بحث مسؤوليته عن إصدار الأوامر أو التحريض أو المساعدة، بحسب الأدلة. أما «مسؤولية القيادة» بمعناها الدولي، فلا تقوم لمجرد المنصب؛ بل تتطلب إثبات وجود سيطرة فعلية على المرؤوسين، ومعرفة القائد بالجرائم أو توافر معلومات تستوجب علمه بها، ثم إخفاقه في منعها أو معاقبة مرتكبيها.
ويجب كذلك التمييز زمنياً بين قمع المتظاهرين السلميين في بدايات عام 2011، حين لم يكن النزاع المسلح قد تبلور بعد، وبين الجرائم المرتكبة لاحقاً في سياق النزاع. فقد تشكل الأفعال الأولى جرائم ضد الإنسانية أو جرائم وطنية خطيرة، لكنها لا توصف تلقائياً بجرائم حرب ما لم يثبت ارتباطها بنزاع مسلح قائم.
أحمد بدر الدين حسون: متى يتحول الخطاب إلى مسؤولية جنائية؟
بدأت محاكمة أحمد بدر الدين حسون في 25 حزيران/يونيو 2026. وتتناول القضية، وفق ما ظهر في جلساتها، اتهامات بالتحريض على العنف وتبرير القتل وتقديم غطاء ديني وسياسي لأفعال النظام السابق. كما استمعت المحكمة إلى شهود، وقدّمت جهة الادعاء مواد رقمية، بينما طلب الدفاع إخضاع المقاطع المصورة للخبرة الفنية للتحقق من سلامتها وعدم تحريفها.
قانونياً، تُعد قضية حسون أكثر تعقيداً من قضية المسؤول الأمني الذي يُتهم بإصدار أوامر مباشرة. فالموقف السياسي أو الخطاب الأخلاقي المرفوض لا يكفي، بذاته، لإثبات المسؤولية الجنائية عن جرائم قتل أو تعذيب.
بموجب القانون الجنائي الدولي، يُجرّم التحريض المباشر والعلني بصورة مستقلة في حالة جريمة الإبادة الجماعية. أما في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، فيجب عادةً إثبات أن الخطاب شكّل أمراً أو تحريضاً مؤثراً أو مساعدةً على ارتكاب جرائم محددة، أو أنه ساهم في جريمة اضطهاد ضمن هجوم واسع أو منهجي.
لذلك يتعين على المحكمة أن تحدد بدقة:
- مضمون كل خطاب منسوب إلى المتهم وسياقه الزمني.
- الجمهور الذي وُجّه إليه، ولا سيما إذا كان من العسكريين أو عناصر الأمن.
- الجرائم المحددة التي يُقال إن الخطاب ساهم فيها.
- الصلة بين الخطاب وسلوك المنفذين.
- علم المتهم بالسياق الإجرامي وقصده من الخطاب.
- مقدار تأثير موقعه الديني والرسمي دون اعتبار هذا الموقع دليلاً كافياً بمفرده.
إن إخضاع المواد المصورة للخبرة الفنية يشكل ضمانة مهمة، وليس عرقلة للمحاسبة. فالحكم القابل للصمود يجب أن يقوم على أدلة أصلية موثوقة، وعلى تحليل قانوني للصلة بين الكلمات والجرائم، لا على شهرة المقاطع أو تداولها إعلامياً.
الإطار الوطني والفجوة التشريعية
يستند مسار المحاكمات إلى مزيج من قانون العقوبات السوري، وقانون مكافحة التعذيب، وقوانين أخرى، إضافة إلى الإعلان الدستوري الانتقالي. وتقرر المادة 12 من الإعلان اعتبار الحقوق والحريات الواردة في الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان التي صدقت عليها سوريا جزءاً من الإطار الدستوري.
لكن القانون السوري لا يزال يفتقر إلى تعريفات متكاملة للجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب والإبادة والاختفاء القسري ومسؤولية القيادة وفق الصياغات المعروفة دولياً. كما أن سوريا ليست دولة طرفاً في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
وتنشأ هنا مشكلة مبدأ «لا جريمة ولا عقوبة بلا نص»، وحظر تطبيق القوانين الجزائية بأثر رجعي. ويمكن مواجهة هذه المشكلة، جزئياً، بالاستناد إلى المادة 15 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي لا تمنع محاكمة أفعال كانت إجرامية وقت ارتكابها وفق المبادئ العامة للقانون المعترف بها دولياً.
لكن هذا الطريق يحتاج إلى تسبيب قضائي شديد الدقة. فلا يجوز الاكتفاء بتسمية الفعل «جريمة ضد الإنسانية» دون تحديد عناصر الجريمة، والأساس القانوني النافذ وقت وقوعها، وطريقة إسنادها إلى كل متهم.
ومن هنا تبرز الحاجة العاجلة إلى قانون شامل للعدالة الانتقالية، يحدد الجرائم وأنماط المسؤولية وقواعد الإثبات وحماية الشهود وحقوق الضحايا، من دون إنشاء قوانين عقابية رجعية أو استثنائية تستهدف أشخاصاً بسبب انتمائهم السياسي.
ضمانات المحاكمة العادلة ليست امتيازاً للمتهم
إن احترام قرينة البراءة، وحق الدفاع، وعلنية الجلسات، ومواجهة الشهود، وفحص الأدلة، والاستعانة بمحامٍ، والطعن في الأحكام، لا يتعارض مع حقوق الضحايا. بل يمنح الأحكام مشروعيتها ويمنع تحويل المحاكمات إلى إجراءات انتقامية قابلة للتشكيك محلياً ودولياً.
واللغة المستخدمة خارج المحكمة مهمة أيضاً. فالأدق قانونياً وصف نجيب وحسون بـ«المتهمين» إلى أن يصدر حكم نهائي، مع التأكيد أن قرينة البراءة لا تعني إنكار معاناة الضحايا أو التقليل من خطورة الاتهامات.
كما ينبغي أن تشمل العدالة جميع الضحايا والانتهاكات الجسيمة، بصرف النظر عن هوية مرتكبها أو الجهة التي ينتمي إليها. فالعدالة الانتقائية قد تنتج أحكاماً، لكنها لا تبني ثقة عامة أو مصالحة وطنية مستدامة.
العدالة الانتقالية أوسع من العقوبة
المحاكمات الجنائية ركن أساسي، لكنها ليست العدالة الانتقالية كلها. فالمسار المتكامل يتطلب أيضاً:
- كشف الحقيقة وتوثيق أنماط الانتهاكات.
- معرفة مصير المفقودين والمختفين قسرياً.
- جبر ضرر الضحايا وتعويضهم وتأهيلهم.
- إصلاح المؤسسات الأمنية والقضائية.
- حفظ الذاكرة الوطنية.
- ضمان عدم تكرار الانتهاكات.
- إشراك الضحايا والنساء والمجتمع المدني في صياغة السياسات.
كما يمكن للتعاون مع الآلية الدولية المحايدة والمستقلة الخاصة بسوريا، ومع الجهات القضائية التي تطبق الولاية القضائية العالمية، أن يساعد في حفظ الأدلة وبناء ملفات مهنية وملاحقة المتهمين الموجودين خارج البلاد. وفي المقابل، لا تختص المحكمة الجنائية الدولية تلقائياً بالجرائم المرتكبة في سوريا لعدم انضمامها إلى نظام روما، إلا إذا قبلت سوريا اختصاص المحكمة أو أحال مجلس الأمن الوضع إليها.
الخلاصة
تستطيع محاكمتا عاطف نجيب وأحمد بدر الدين حسون أن تؤسسا لمرحلة سورية جديدة، شرط ألا تُقاس العدالة بسرعة صدور الأحكام أو شدتها، بل بجودة الأدلة، ودقة التكييف القانوني، واستقلال القضاء، واحترام حقوق الدفاع والضحايا معاً.
المطلوب ليس محاكمات رمزية تُغلق ملفات الماضي، بل قضاء يوثق الحقيقة ويحدد المسؤولية الفردية ويصدر أحكاماً قادرة على الصمود أمام الاستئناف والتدقيق القانوني الدولي.
فالعدالة الانتقالية الحقيقية لا تستبدل ظلماً بظلم، ولا تدين الناس بسبب مناصبهم أو خطاباتهم وحدها. إنها تجعل القانون، لا الانتقام، أساس المحاسبة؛ وتجعل كرامة الضحايا وسيادة القانون نقطة البداية لبناء سوريا لا تتكرر فيها الجرائم.
ملاحظة قانونية: القضايا ما تزال منظورة أمام القضاء، وجميع الاتهامات الواردة تخضع للإثبات، ويتمتع المتهمان بقرينة البراءة إلى حين صدور أحكام نهائية.



