تفاهة الشر بعد سقوط الديكتاتور: هل تنجو أدوات الاستبداد من النظام الذي صنعها؟

لم يكن أكثر ما أقلق حنّة آرندت، وهي تتابع محاكمة أدولف أيخمان في القدس، أن ترى أمامها وحشاً استثنائياً. كان المقلق أن ترى رجلاً يستطيع المشاركة في آلة تنتج موتاً هائلاً، ثم يتحدث عن وظيفته وأوامره واختصاصه الإداري كما لو أنه كان يؤدي عملاً بيروقراطياً عادياً.

من هنا جاءت عبارتها التي أصبحت لاحقاً واحدة من أكثر أفكارها إثارة للجدل: «تفاهة الشر».

لم تكن آرندت تقصد أن الشر تافه، ولا أن الجريمة بسيطة، ولا أن مرتكبها بريء. كانت تحاول فهم شيء أشد خطورة: كيف يستطيع الإنسان أن يشارك في جريمة كبرى من دون أن يرى نفسه مجرماً؛ وكيف تستطيع المؤسسة أن تقسم الجريمة إلى سلسلة من الوظائف الصغيرة، بحيث لا يشعر أي واحد من المشاركين بأنه يحمل المسؤولية كاملة.

وهذا السؤال ليس تاريخياً بالنسبة إلى سوريا.

فبعد سقوط نظام الأسد، لا يكفي أن نسأل من سقط ومن وصل إلى السلطة. السؤال الأصعب هو: هل سقطت أيضاً الطريقة التي كان يُنتَج بها الظلم؟

لم يكن الاستبداد شخصاً

على مدى عقود، لم يكن القمع في سوريا فعلاً يقوم به رئيس الجمهورية أو مدير جهاز أمني وحده. كان منظومة كاملة قادرة على تحويل الاستثناء إلى روتين.

يكتب عنصر الأمن الاسم. يعتقل عنصر آخر صاحبه. ينقله سائق إلى فرع أمني. يستجوبه محقق. يوقع طبيب على وثيقة. يدوّن موظف بيانات مختلفة عما حدث فعلاً. يعتمد قاضٍ محضراً أمنياً. تصادر جهة إدارية مالاً أو عقاراً. وقد تعرف الأسرة بعد سنوات أن ابنها مات، من دون أن يستطيع معظم أفراد هذه السلسلة الادعاء بأنهم وحدهم قتلوه.

وفي نهاية السلسلة يستطيع كل شخص أن يقول:

لم أكن صاحب القرار.

هذه العبارة تحديداً هي إحدى البوابات التي يمكن أن نفهم منها «تفاهة الشر».

فالأنظمة القمعية لا تحتاج إلى تحويل كل موظفيها إلى ساديين. يكفيها أحياناً أن تحول المسؤولية الأخلاقية إلى اختصاص إداري: أنا أنفذ، وغيري يقرر.

لهذا فإن اختزال التجربة السورية في بشار الأسد، أو في مجموعة محدودة من كبار المسؤولين، يحمل خطراً معرفياً وسياسياً. فالنظام كان أيضاً مؤسسات وممارسات ولغة وعلاقات سلطة، وكان قبل كل ذلك طريقة في جعل أفعال غير مقبولة تبدو طبيعية داخل الجهاز الذي ينفذها.

سقوط النظام لا يعني بالضرورة سقوط منطقه

هنا تبدأ المسألة الأكثر حساسية في سوريا الجديدة.

لقد تغيرت السلطة. وهناك فرصة تاريخية لبناء دولة مختلفة، وفتح ملفات ظلت لعقود مغلقة، ومحاسبة المسؤولين عن جرائم جسيمة ارتكبت بحق السوريين.

لكن التاريخ لا يمنح المنتصرين حصانة من إعادة إنتاج الأدوات التي ثاروا عليها.

قد يبدأ الأمر من حالة تبدو بديهية: شخص يوصف بأنه من «الفلول»، أو متهم بالانتماء إلى جهاز سابق، أو يُشتبه بتورطه في جريمة.

ربما يكون مذنباً بالفعل.

لكن الدولة القانونية تبدأ من السؤال الذي قد يبدو مزعجاً: ماذا فعل هذا الشخص تحديداً؟ وما الدليل؟ ومن يملك سلطة توقيفه؟ وأمام أي قاضٍ سيُعرض؟ وهل يستطيع الدفاع عن نفسه؟

الانتقال من المسؤولية الفردية إلى الهوية السياسية أو الأمنية المفترضة ليس تفصيلاً إجرائياً. إنه المكان الذي يمكن أن يبدأ منه تحول العدالة إلى انتقام.

ولهذا فإن الفرق بين الدولة الجديدة والنظام الذي سبقها لا يُقاس فقط بهوية من تضعهم في السجن، بل أيضاً بالقواعد التي تسمح لها بوضع إنسان في السجن أصلاً.

عندما تحل الجماعة محل الفرد

تزداد المسألة خطورة عندما تنتقل المسؤولية من السياسة إلى الهوية.

شهدت سوريا بعد سقوط النظام أعمال عنف وانتهاكات ذات بعد هوياتي، ولا سيما خلال أحداث الساحل والسويداء. وقد وثقت جهات حقوقية انتهاكات جسيمة ارتكبتها أطراف متعددة، بما فيها عناصر وقوى مرتبطة بالسلطات الجديدة وجماعات مسلحة أخرى، مع استمرار الأسئلة حول نطاق المساءلة ووصولها إلى مستويات القيادة.

هنا تظهر إحدى أخطر عمليات تعطيل الحكم الأخلاقي:

«هم فعلوا بنا ذلك من قبل».

قد تبدو العبارة تفسيراً للغضب. لكنها تصبح شديدة الخطورة عندما تتحول إلى مبرر لنقل مسؤولية المجرم إلى جماعته.

فالعدالة تقول: هذا الشخص ارتكب هذه الجريمة.

أما الانتقام الجماعي فيقول: هؤلاء فعلوا بنا ذلك.

بين الجملتين تقع المسافة بين دولة القانون ومنطق الثأر.

والمسألة ليست أخلاقية فقط. المسؤولية الجنائية بطبيعتها فردية. لا يحمل إنسان وزر جريمة لمجرد انتمائه إلى طائفة أو منطقة أو عائلة أو مؤسسة كان ينتمي إليها آخرون ارتكبوا جرائم.

وحين يفقد المجتمع هذه القاعدة، يصبح ممكناً إعادة إنتاج الضحية ذاتها، لكن باسم جديد.

اللغة التي تجعل الانتهاك عادياً

للشر البيروقراطي قاموسه أيضاً.

«ضرورات المرحلة».

«إجراء أمني».

«حماية الاستقرار».

«مقتضيات الأمن الوطني».

«تنظيف المؤسسات».

«محاسبة الفلول».

ليست هذه العبارات جرائم في ذاتها. وقد تصف بعضها حاجات حقيقية لدولة خارجة من حرب طويلة.

المشكلة تبدأ عندما تصبح اللغة بديلاً عن التفكير.

عندما يصبح وصف شخص بأنه «فلول» بديلاً عن إثبات فعل جرمي. وعندما تصبح «الضرورة الأمنية» بديلاً عن رقابة القضاء. وعندما تتحول «حماية الثورة» أو «حماية الدولة» إلى إجابة جاهزة على السؤال عن مشروعية الوسيلة.

هنا تقترب المسألة كثيراً من آرندت.

فالخطر ليس في الكذب السياسي وحده، بل في أن تصبح لدينا لغة جاهزة تعفينا من التفكير في الإنسان الموجود خلف الملف.

القضاء هو الاختبار الأصعب

بدأت سوريا بالفعل مرحلة غير مسبوقة من المحاكمات الداخلية المتعلقة بجرائم عهد الأسد. وفي 11 آب/أغسطس 2026 صدر حكم في القضية المتعلقة بعاطف نجيب وعدد من كبار مسؤولي النظام السابق، بينما بدأت أو أُعلنت إجراءات في قضايا أخرى.

هذه المحاكمات تحمل أهمية تاريخية للضحايا وللمجتمع السوري. لكنها في الوقت نفسه تضع النظام القضائي الجديد أمام اختبار بالغ الصعوبة.

فقد أُثيرت أسئلة حقوقية حول الأساس القانوني لبعض ترتيبات المحاكمة، وشفافية الإجراءات، والوصول إلى وثائق القضية، وضمانات الدفاع، وإثبات المسؤولية الفردية لبعض المتهمين، فضلاً عن عقوبة الإعدام.

وهذه الأسئلة لا تنتقص من حق الضحايا في العدالة.

العكس تماماً.

لأن العدالة التي انتظرها السوريون أكثر من عقد لا ينبغي أن تكون مجرد إدانة الأشخاص الصحيحين، بل يجب أن تكون أيضاً إدانتهم بالطريقة القانونية الصحيحة.

ليس المطلوب من القاضي أن ينسى التاريخ. المطلوب ألا يجعل التاريخ بديلاً عن الدليل.

ولا يجوز أن يصبح قول «الجميع يعرف ماذا فعل النظام» بديلاً عن إثبات ما فعله المتهم الموجود أمام المحكمة تحديداً.

فإذا كان القاضي القديم يستطيع أن يقول إن المتهم إرهابي لأن الجهاز الأمني وصفه بذلك، فلا يجوز للقاضي الجديد أن يستبدل الكلمة بكلمة أخرى ويحتفظ بالمنطق نفسه.

الدولة الجديدة تثبت اختلافها عندما تمنح حتى من تتهمه بأبشع الجرائم محاكمة لا يستطيع هو نفسه أن يقول إنها كانت انتقاماً مقنعاً بلباس القضاء.

العدالة ليست نقيض الضمانات

هناك اعتقاد خطر يمكن أن يظهر في المجتمعات الخارجة من الجرائم الجماعية: أن ضمانات المتهم تقف في الجهة المقابلة لحقوق الضحية.

لكن المحاكمة العادلة ليست هدية تقدمها الدولة للمجرم.

إنها قيد تضعه الدولة على نفسها.

ومن هنا تأتي أهميتها في المرحلة الانتقالية: نحن لا نضمن حقوق المتهم لأننا نعرف أنه بريء، وإنما لأننا نريد بناء دولة لا تستطيع سلب إنسان حريته أو حياته دون قانون ودليل ومحاكمة مستقلة.

وقد شددت النقاشات الحقوقية الجارية حول العدالة الانتقالية السورية على أن المساءلة الجنائية ليست سوى ركن من منظومة أوسع تشمل الحقيقة، وجبر الضرر، وحفظ الذاكرة، وإصلاح المؤسسات، وضمانات عدم التكرار. كما أن الأمم المتحدة ناقشت مع السلطات السورية الإطار القانوني الجاري إعداده للعدالة الانتقالية.

وهنا تصبح عبارة «ضمانات عدم التكرار» أهم مما تبدو عليه.

فعدم التكرار لا يعني فقط ألا يعود بشار الأسد أو أجهزته.

إنه يعني ألا تستطيع أي سلطة أخرى أن تفعل ما كان يستطيع فعله.

الموظف الذي يقول «لا»

ربما يكون هذا هو الدرس الأكثر أهمية الذي يمكن استعارتُه من آرندت لسوريا.

الدولة الديمقراطية لا تُبنى فقط بالدستور والانتخابات والمحاكم. تحتاج أيضاً إلى موظف يرفض أمراً غير قانوني، وعنصر أمن يعرف أن السلطة التي يحملها لها حدود، وطبيب يرفض تزوير سبب الوفاة، وقاضٍ لا يسمح للأمن بأن يكتب حكمه، وصحفي لا يجعل هوية الضحية شرطاً للتعاطف معها، ومواطن يستطيع أن يرى الجريمة جريمة حتى عندما يرتكبها الطرف الذي يؤيده.

أي أن ضمان عدم التكرار ليس مؤسسة فقط.

إنه أيضاً استعادة المسؤولية الفردية.

أن يستطيع الإنسان أن يقول: لن أفعل ذلك، حتى لو أمرني رئيسي.

وأن يقول: هذا خطأ، حتى لو فعله جماعتي.

وأن يسأل: أين الدليل؟ حتى لو كان المتهم شخصاً يكرهه.

من يراقب المنتصر؟

أعلنت السلطات الانتقالية خطوات في اتجاه المساءلة، وأنشأت هيئات للعدالة الانتقالية والمفقودين، وبدأ القضاء السوري النظر في جرائم من عهد الأسد. وفي الوقت نفسه، لا تزال منظمات حقوقية تطالب بأن تكون المساءلة شاملة، وأن تمتد إلى الجرائم الجسيمة بصرف النظر عن هوية مرتكبها، بما في ذلك الجرائم المرتكبة بعد كانون الأول/ديسمبر

وهذا ليس سؤالاً جانبياً.

إنه ربما الاختبار الحقيقي لأي انتقال سياسي.

فمحاسبة مجرم ينتمي إلى النظام المهزوم أمر تستطيع سلطة منتصرة القيام به.

أما التحقيق في جريمة ارتكبها شخص ينتمي إليها، وإخضاعه للقانون نفسه، فذلك هو الاختبار الأصعب للدولة.

وقد شهدت سوريا بالفعل حالات عنف انتقامي ضد أشخاص أو مجموعات مرتبطة، بحق أو بغير حق، بالنظام السابق، وهو ما أعاد التأكيد على ضرورة أن تحتكر المؤسسات القانونية عملية المساءلة بدلاً من الشارع أو الجماعة أو السلاح. citeturn0search10

فإذا كان القانون يعمل فقط على المهزوم، فهو لم يصبح بعد قانوناً بالمعنى الكامل.

ما بعد الديكتاتور

ربما تكون إحدى أكبر الأخطاء التي يمكن أن ترتكبها المجتمعات الخارجة من الاستبداد أن تعتقد أن الديكتاتورية تنتهي في اللحظة التي يسقط فيها الديكتاتور.

الحاكم يمكن أن يغادر في يوم.

أما المؤسسات التي بناها، واللغة التي نشرها، والخوف الذي زرعه، والعلاقات التي صنعها بين المواطن والسلطة، فقد تحتاج جيلاً لتتغير.

وهنا تصبح «تفاهة الشر» مفهوماً سورياً معاصراً، لا لأن سوريا الجديدة تكرر النظام السابق، ولا لأن الجرائم المختلفة متساوية في طبيعتها أو حجمها، وإنما لأن السؤال الذي طرحته آرندت يبقى قائماً بعد كل سقوط سياسي:

ماذا يفعل الإنسان عندما تصبح الجريمة جزءاً من العمل العادي؟

وماذا يفعل عندما تطلب منه جماعته أن يصمت؟

وماذا يفعل القاضي عندما يريد الشارع حكماً قبل انتهاء المحاكمة؟

وماذا يفعل عنصر الأمن عندما يأتيه أمر يعرف أنه غير قانوني؟

وماذا يفعل المثقف والحقوقي عندما يكون مرتكب الانتهاك قريباً سياسياً منه والضحية بعيدة عنه؟

هذه الأسئلة هي التي تحدد ما إذا كنا قد غيرنا السلطة فقط، أم بدأنا بالفعل في تغيير علاقتنا بالسلطة.

فالقطيعة الحقيقية مع الاستبداد لا تحدث عندما نستبدل أسماء السجون، أو صور الحكام، أو الشعارات المعلقة على الجدران.

تحدث عندما يصبح القانون أقوى من المنتصر.

وعندما لا يحتاج الإنسان إلى معرفة اسم الضحية أو طائفتها أو موقفها السياسي قبل أن يقول إن الظلم الواقع عليها ظلم.

وعندما يستطيع الموظف والقاضي والعسكري والمواطن أن يستعيدوا تلك القدرة البسيطة والصعبة في آن واحد التي وضعتها آرندت في قلب المسألة:

أن يفكر الإنسان فيما يفعل، وأن يتحمل مسؤوليته عنه.

عندها فقط لا يكون سقوط الديكتاتور نهاية نظام سياسي فحسب، بل بداية تفكيك الشروط التي جعلت الاستبداد ممكناً.

Facebook
Twitter
WhatsApp
Telegram