مادة توثيقية قانونية تمهيدية
في الخامس من آب/أغسطس 2013، وقبل ستة عشر يوماً من الهجوم الكيميائي الواسع على الغوطتين الشرقية والغربية، تعرضت مدينتا عدرا ودوما في ريف دمشق لهجوم بمواد سامة يُعتقد أنها عوامل عصبية شبيهة بغاز السارين. بقيت هذه الواقعة، على خطورتها، أقل حضوراً في الذاكرة العامة من مجزرة 21 آب، مع أنها كانت في حينها أوسع هجوم كيميائي موثق في سوريا، وإنذاراً مبكراً بما سيقع لاحقاً على نطاق أشد فتكاً.
هذه المادة ليست حكماً قضائياً ولا بديلاً عن التحقيق المختص؛ إنها مدخل توثيقي وقانوني أولي يميز بين الوقائع المدعومة بالشهادات والمواد المفتوحة المصدر، وبين المسؤوليات الفردية التي لا يحسمها إلا قضاء مستقل. وهي تمهّد لمادة ثانية تنشرها رابطة الحقوقيين السوريين الأحرار في 21 آب/أغسطس، في الذكرى الثالثة عشرة لمجزرة الغوطة الكيميائية الكبرى.
أولاً: ماذا جرى في فجر الخامس من آب؟
بحسب الوثائق والشهادات المدرجة في التحقيق القضائي الفرنسي، أصابت مواد كيميائية بلدة عدرا الصناعية قرابة الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، ثم استهدفت مدينة دوما نحو الساعة الخامسة فجراً. تحدث ناجون وأطباء عن مدنيين يعانون الاختناق وضيق التنفس واضطراب الوعي وأعراضاً تتفق مع التعرض لعامل عصبي. وفي دوما، لجأ بعض السكان إلى أسطح الأبنية محاولين الابتعاد عن المواد السامة الأثقل من الهواء، بينما امتلأت النقاط الطبية والمستشفيات الميدانية بالمصابين.
تشير المواد المقدمة في الملف الفرنسي إلى إصابة أكثر من أربعمئة شخص في دوما، بينهم نساء وأطفال. ولا تسمح المصادر المتاحة التي راجعناها بتقديم رقم نهائي موحد للوفيات خاص بهذه الواقعة؛ لذلك ينبغي تجنب تداول أرقام غير موثقة أو الخلط بينها وبين حصيلة هجوم 21 آب. الدقة هنا ليست تحفظاً شكلياً، بل جزء من احترام الضحايا ومن سلامة أي مسار قضائي لاحق.
ثانياً: هجوم مستقل لا يجوز خلطه بهجوم دوما عام 2018
يجب التمييز بين ثلاث وقائع مختلفة كثيراً ما تختلط في الخطاب الإعلامي:
- هجوم عدرا ودوما في 5 آب/أغسطس 2013، وهو موضوع هذه المادة.
- هجوم الغوطة الشرقية والغربية في 21 آب/أغسطس 2013، الذي استخدم فيه السارين على نطاق واسع وأدى إلى مقتل وإصابة أعداد كبيرة من المدنيين.
- هجوم دوما في 7 نيسان/أبريل 2018، الذي حققت فيه منظمة حظر الأسلحة الكيميائية بصورة مستقلة وخلص فريق التحقيق وتحديد الهوية فيها إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن سلاح الجو السوري السابق نفذه باستخدام غاز الكلور.
الفصل بين هذه الوقائع ضروري لأن لكل واحدة منها تاريخاً وأدلة وسياقاً وملفاً قضائياً مختلفاً. توثيق الجريمة يبدأ من ضبط اسم المكان والزمن ونوع الدليل، لا من جمع كل الوقائع تحت عنوان عام واحد.
ثالثاً: ماذا تقول الأدلة المتاحة؟
راجعت منظمة هيومن رايتس ووتش صوراً ومقاطع مصورة من هجوم 5 آب تظهر بقايا صاروخ من عيار يقارب 330 ملم، بخصائص تتفق مع نموذج مشتبه بتصميمه لحمل مواد كيميائية، منها فتحة إضافية للتعبئة وترقيم باللون الأحمر. كما ظهرت في المواد المصورة حيوانات نافقة أو تحتضر من دون إصابات جسدية ظاهرة وبأعراض تتسق مع التعرض لعامل عصبي.
لكن المنظمة أوضحت في تقريرها أنها لم تستطع، استناداً إلى تلك المواد وحدها، تأكيد الادعاء المتعلق بالجهة المسؤولة عن هجوم 5 آب تأكيداً مستقلاً. هذه الملاحظة لا تنفي الواقعة ولا تسقط قيمة الأدلة؛ بل تضع كل دليل في حدوده الصحيحة وتؤكد الحاجة إلى جمعه مع شهادات الناجين والبيانات الطبية والوثائق العسكرية وتحليل سلسلة القيادة.
وفي إطار التحقيق الفرنسي المفتوح لاحقاً في هجومي 5 و21 آب 2013، قدمت جهات سورية ودولية مئات المواد الإضافية، بينها صور ومقاطع وخرائط تحدد مواقع السقوط ووثائق تتعلق بالبنية العسكرية وسلسلة القيادة. ووفق المركز السوري للإعلام وحرية التعبير، شملت إحدى دفعات الأدلة 491 مادة إضافية وشهادات مباشرة من 61 شاهداً وناجياً، فضلاً عن شهادات منشقين ومعلومات عن وحدات عسكرية ومؤسسات يُزعم ارتباطها ببرنامج الأسلحة الكيميائية.
لا تعني كثرة الأدلة وحدها ثبوت المسؤولية الجنائية. قيمتها القانونية تتوقف على أصالتها وسلسلة حيازتها وإمكان التحقق منها وترابطها مع غيرها، وعلى قدرة الدفاع على مناقشتها أمام محكمة مستقلة. غير أن حفظ هذه المواد وفهرستها وإتاحتها للجهات المختصة منع ضياع جزء أساسي من الذاكرة الإثباتية السورية.
رابعاً: الحظر القانوني كان قائماً قبل انضمام سوريا إلى الاتفاقية
انضمت سوريا إلى اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية في تشرين الأول/أكتوبر 2013، أي بعد هجومي 5 و21 آب. لكن ذلك لا يعني أن استخدام هذه الأسلحة كان مباحاً قبل الانضمام. فقد كانت سوريا طرفاً في بروتوكول جنيف لعام 1925، كما أن حظر استخدام الأسلحة الكيميائية في النزاعات المسلحة قاعدة راسخة في القانون الدولي العرفي.
يحظر القانون الدولي الإنساني استخدام السموم والأسلحة السامة، كما يحظر وسائل القتال التي لا يمكن توجيهها إلى هدف عسكري محدد أو التي تسبب بطبيعتها آثاراً عشوائية بين المدنيين والمقاتلين. وعندما يُستخدم عامل كيميائي عمداً ضد منطقة مأهولة، فإن ذلك قد يشكل جريمة حرب. وإذا ثبت أن الفعل كان جزءاً من هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد السكان المدنيين، مع توافر العلم بذلك، فقد يندرج أيضاً ضمن الجرائم ضد الإنسانية.
ولا تنحصر المسؤولية بمن أطلق المقذوف. فقد تمتد، وفق شروط القانون الجنائي، إلى من خطط أو أمر أو ساعد أو قدم الوسائل، وإلى القادة الذين كانوا يعلمون أو كان ينبغي لهم أن يعلموا بارتكاب مرؤوسيهم الجرائم ولم يتخذوا التدابير اللازمة لمنعها أو معاقبة مرتكبيها. لكن هذه المسؤولية فردية؛ فلا تجوز إدانة مؤسسة أو طائفة أو مجموعة اجتماعية بديلاً عن إثبات دور أشخاص محددين بأدلة قابلة للفحص.
خامساً: التحقيق الفرنسي—تقدم قضائي وحدود إجرائية
في آذار/مارس 2021، قدم ناجون ومنظمات حقوقية شكوى في فرنسا تتعلق بهجمات السارين في عدرا ودوما والغوطة. وفي نيسان/أبريل من العام نفسه، فتحت الوحدة الفرنسية المتخصصة بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية تحقيقاً قضائياً في الوقائع بوصفها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية محتملة. تولى قاضيا تحقيق فحص مسؤولية مسؤولين في الحكومة السورية السابقة ضمن سياق أوسع من الهجمات على مناطق خاضعة لسيطرة المعارضة آنذاك.
وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2023، صدرت مذكرات توقيف بحق بشار الأسد وعدد من كبار المسؤولين السابقين على خلفية دورهم المزعوم في الهجمات الكيميائية. غير أن الجمعية العامة لمحكمة النقض الفرنسية ألغت في 25 تموز/يوليو 2025 المذكرة الصادرة بحق الأسد، على أساس أنه كان رئيس دولة في منصبه عندما صدرت المذكرة ويتمتع آنذاك بالحصانة الشخصية أمام القضاء الوطني لدولة أجنبية.
ينبغي قراءة القرار بدقة: المحكمة لم تقل إن الهجمات لم تقع، ولم تصدر حكماً ببراءة أي مشتبه به، ولم تعتبر استخدام السلاح الكيميائي عملاً مشروعاً. قرارها تناول صلاحية مذكرة محددة في ضوء قواعد الحصانة وقت إصدارها. كما لم يؤد القرار إلى إغلاق التحقيق، ولا يحول من حيث المبدأ دون ملاحقة مسؤولين آخرين أو اتخاذ تدابير قضائية جديدة إذا توافرت شروطها.
هذه التفرقة بين الحصانة والمسؤولية ضرورية. الحصانة قيد إجرائي على ممارسة الاختصاص في ظرف محدد، وليست محواً للواقعة ولا نفياً للمسؤولية الموضوعية. وفي المقابل، لا يصح تجاوز ضمانات المحاكمة العادلة بدعوى فداحة الجريمة؛ فقوة ملف العدالة تقاس بقدرته على الجمع بين حق الضحايا في الإنصاف وحق المتهم في دفاع فعلي أمام قضاء مستقل.
سادساً: ما المطلوب من مسار العدالة الانتقالية السوري؟
لا يجوز أن يبقى ملف الأسلحة الكيميائية رهين المحاكم الأجنبية وحدها. أي مسار سوري جاد للعدالة الانتقالية مطالب بوضع هذه الجرائم ضمن أولوياته، من دون تحويل الملف إلى أداة انتقام أو مساومة سياسية. ويتطلب ذلك، في الحد الأدنى:
- إنشاء سجل وطني موحد للهجمات الكيميائية يميز بين كل واقعة وتاريخها ومكانها وضحاياها وأدلتها.
- حماية الأصول الرقمية والوثائق الطبية وبقايا الذخائر وسلاسل الحيازة وفق معايير تسمح باستخدامها قضائياً.
- تأمين حماية حقيقية للناجين والشهود والأطباء والموثقين، ومنع كشف هوياتهم أو بياناتهم دون موافقتهم.
- تشكيل فرق ادعاء وتحقيق متخصصة تجمع الخبرة الجنائية والطبية والعسكرية والقانونية الدولية.
- ضمان مشاركة الضحايا وعائلاتهم في تصميم مسارات الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر، لا التعامل معهم كمصادر للمعلومات فقط.
- رفض أي عفو عام يشمل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية أو يعطل حق الضحايا في الوصول إلى القضاء.
- التعاون مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية وآليات الأمم المتحدة والسلطات القضائية الأجنبية، مع الحفاظ على استقلال القرار القضائي السوري.
سابعاً: بين الذاكرة والإثبات
الذكرى ليست مناسبة لإعادة إنتاج صور الضحايا بلا ضرورة أو استهلاك آلام الناجين في خطاب موسمي. وظيفتها القانونية والأخلاقية أن تحفظ أسماء المتضررين، وأن تذكّر بأن وراء كل ملف تقني حياة تغيرت إلى الأبد، وأن تمنع الإنكار وتزوير التسلسل الزمني للجرائم.
وفي الوقت نفسه، لا يجوز أن تحل الذاكرة محل الإثبات. العدالة لا تبنى على اليقين السياسي المسبق، بل على تحقيق مستقل يكشف ما حدث، وكيف نُفذ، ومن أصدر الأوامر، ومن وفر الوسائل، ومن حاول إخفاء الأدلة. الإصرار على هذه المعايير ليس مسايرة للمتهمين؛ إنه ما يجعل الحكم القضائي، عندما يصدر، أكثر قوة ومشروعية وأقل قابلية للطعن.
تمهيد لملف 21 آب
هجوم 5 آب 2013 ليس هامشاً في تاريخ السلاح الكيميائي في سوريا. إنه واقعة مستقلة تستحق التوثيق والاعتراف، وحلقة مبكرة في نمط بلغ ذروته بعد ستة عشر يوماً في الغوطة الشرقية والغربية. إن تجاهله يحرم ضحاياه من مكانهم في الذاكرة ويضعف فهم كيفية تطور الهجمات وآليات اتخاذ القرار والاستجابة الدولية لها.
في 21 آب/أغسطس، تنشر رابطة الحقوقيين السوريين الأحرار المادة الثانية من هذا الملف، متناولةً مجزرة الغوطة الكيميائية الكبرى: ما الذي أثبته تحقيق الأمم المتحدة؟ كيف تعامل القانون الدولي مع الجريمة؟ ولماذا بقيت المساءلة، بعد ثلاثة عشر عاماً، دون مستوى الحقائق والأدلة؟
جهود رابطة الحقوقيين السوريين الأحرار في التوثيق
تنظر رابطة الحقوقيين السوريين الأحرار (FSLA) إلى التوثيق بوصفه عملاً قانونياً طويل الأمد، لا نشاطاً إعلامياً مرتبطاً بالمناسبات. وتعمل الرابطة، ضمن إمكاناتها وشبكاتها المهنية، على جمع المعلومات القانونية المتاحة، ومراجعة المصادر المفتوحة، وحفظ الروايات والوقائع ذات الصلة بالانتهاكات الجسيمة، وتحويل المواد المتفرقة إلى معرفة قابلة للاستخدام في التوعية والبحث ومسارات العدالة.
ولا تدّعي الرابطة أن عملها يحل محل التحقيق الجنائي أو الخبرة الفنية المختصة، بل تسعى إلى الإسهام في حماية الذاكرة القانونية السورية، وتدقيق المصطلحات والتواريخ، وربط التوثيق بحقوق الضحايا وبمتطلبات المحاكمة العادلة. كما تؤكد استعدادها للتعاون المهني، ضمن ضوابط السرية وحماية البيانات وسلامة الشهود، مع الجهات السورية والدولية المختصة التي تعمل بصورة مستقلة ونزيهة على كشف الحقيقة وتحديد المسؤوليات الفردية.
ومن هذا المنطلق، يشكل نشر هذا الملف خطوة ضمن جهد أوسع للرابطة يرمي إلى إبقاء جرائم الأسلحة الكيميائية حاضرة في النقاش القانوني السوري، ومنع اختزالها في أرقام أو مناسبات سنوية، والدفع نحو سياسة وطنية تحفظ الأدلة وتعترف بالناجين وتضع المساءلة وجبر الضرر في صلب العدالة الانتقالية.
مراجع مختارة:
- ملف الأسئلة والأجوبة حول القضية الفرنسية – Open Society Justice Initiative وشركاؤها
- تطورات التحقيق والأدلة المقدمة – المركز السوري للإعلام وحرية التعبير
- الهجمات على الغوطة وتحليل وسائل الإيصال – هيومن رايتس ووتش
- قرار محكمة النقض الفرنسية في 25 تموز/يوليو 2025
- منظمة حظر الأسلحة الكيميائية – تقرير هجوم دوما في 7 نيسان/أبريل 2018 لأغراض التمييز بين الوقائع
أعدت هذه المادة لأغراض التوثيق والتوعية القانونية، ولا تتضمن حكماً نهائياً على المسؤولية الجنائية لأي شخص؛ إذ تبقى قرينة البراءة وضمانات المحاكمة العادلة واجبة الاحترام إلى أن يصدر حكم قضائي مختص.


