أحمد حسون إلى السجن المؤبد، عندما أصبح التحريض على الجرائم مسؤولية جنائية

تصميم تحريري لأحمد بدر الدين حسون خلف قضبان المحكمة

الجنايات الرابعة بدمشق تدين المفتي السابق بالتحريض على القتل والاعتداء الهادف إلى إثارة الحرب الأهلية والاقتتال الطائفي، وتصنّف الأفعال الثابتة بحقه كجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية

دمشق – 24 آب/أغسطس 2026

لم يعد التحريض في قضية أحمد بدر الدين حسون سؤالاً نظرياً حول حدود مسؤولية رجل الدين عن خطابه. ففي 24 آب/أغسطس 2026، نقلت محكمة الجنايات الرابعة بدمشق هذا السؤال إلى حكم قضائي، عندما جرّمت مفتي الجمهورية السابق استناداً إلى قواعد التحريض في قانون العقوبات السوري، وحكمت عليه بالسجن المؤبد مدى الحياة.

وصدر الحكم باسم الشعب العربي في سوريا، بعد محاكمة علنية تناولت مجموعة من الأفعال والتصريحات المنسوبة إلى حسون خلال سنوات النزاع السوري.

ووفق منطوق الحكم، جرّمت المحكمة أحمد بدر الدين حسون بجناية الاعتداء الهادف إلى إثارة الحرب الأهلية والاقتتال الطائفي، المعاقب عليها بالمادة 298 بدلالة المادة 216 من قانون العقوبات العام، وحكمت عليه بالسجن المؤبد مدى الحياة.

كما جرّمته بجناية التحريض على القتل قصداً، المعاقب عليها بالمادة 533 بدلالة المادة 216 من قانون العقوبات العام، وحكمت عليه بالسجن عشرين عاماً.

وقررت المحكمة منع المحكوم عليه من الاستفادة من إطلاق السراح المشروط، وحرمانه من الاستفادة من أي عفو عام أو خاص نظراً لجسامة الجرائم، فيما صنفت الأفعال التي ثبتت لديها ضمن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. وتؤكد التغطيات المنشورة اليوم صدور حكم المؤبد والتوصيف المتعلق بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

المادة 216 في قلب الحكم

لا تكمن أهمية الحكم في عقوبة المؤبد وحدها، وإنما في الأساس الذي أقامت عليه المحكمة المسؤولية الجنائية لحسون.

فإحالة المحكمة إلى المادة 216 من قانون العقوبات في الجرائم التي أدانته بها ذات دلالة أساسية، لأنها تضع التحريض في صلب البناء القانوني للحكم.

وبذلك لا تقوم المسؤولية، وفق منطوق القرار، لمجرد أن حسون كان مفتي الجمهورية أو أحد أبرز رجال الدين المؤيدين لنظام بشار الأسد، وإنما لأن المحكمة اعتبرت أن أفعالاً محددة منسوبة إليه تجاوزت حدود الموقف السياسي والخطاب العام وبلغت مستوى التحريض المعاقب عليه جنائياً.

وقد ربطت المحكمة هذا التحريض بجريمتين بالغتي الخطورة: الأولى الاعتداء الهادف إلى إثارة الحرب الأهلية والاقتتال الطائفي وفق المادة 298، والثانية القتل قصداً وفق المادة 533 من قانون العقوبات.

وهذا التفصيل مهم في قراءة الحكم: المحكمة لم تعاقب على الرأي، وإنما أسندت إلى صاحب الخطاب مسؤولية جنائية عن التحريض على أفعال مجرّمة.

من السلطة الدينية إلى المسؤولية الفردية

تكتسب القضية أهمية إضافية بسبب طبيعة الموقع الذي كان يشغله حسون.

فهو لم يكن فرداً عادياً يعبّر عن موقف سياسي، وإنما شغل منصب مفتي الجمهورية بين عامي 2005 و2021، وكان صوته يحمل، إلى جانب البعد السياسي، سلطة دينية ومؤسسية رسمية.

لكن هذه الصفة، مهما بلغت أهميتها، لا تكفي بذاتها لإقامة المسؤولية الجنائية.

فالقاعدة الأساسية هي أن المسؤولية فردية، وأن إدانة شخص بسبب التحريض تستوجب تحديد القول أو الفعل المنسوب إليه وإثبات عناصره وعلاقته بالجريمة والقصد الجرمي المطلوب.

وهنا تبرز القيمة القانونية للحكم: إذا كانت حيثياته المكتوبة قد ربطت كل فعل من أفعال حسون بجريمة محددة، وأثبتت علمه وقصده ودوره في التحريض عليها، فإن القضية تقدم تطبيقاً سورياً مهماً لفكرة طالما واجهها القضاء الجنائي الدولي: أن صاحب المنبر لا يحتاج إلى حمل السلاح حتى تنشأ مسؤوليته الجنائية، إذا ثبت أن سلطته وخطابه استُخدما للتحريض على ارتكاب الجرائم.

وكانت رابطة الحقوقيين السوريين قد تناولت هذه المسألة قبل صدور الحكم في دراسة قانونية مستقلة حول قضية حسون، قارنت فيها معايير المسؤولية عن التحريض والتشجيع والدعم المعنوي بالسوابق التي أرساها القضاء الجنائي الدولي من نورمبرغ إلى رواندا ويوغوسلافيا السابقة.

أما حكم اليوم، فينقل المسألة من المقارنة النظرية إلى التطبيق القضائي السوري المباشر.

جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية: الحيثيات هي الفيصل

يبقى أحد أهم جوانب الحكم بحاجة إلى قراءة دقيقة فور نشر نسخته المكتوبة.

فالمحكمة، بحسب منطوق الحكم المعلن، صنفت الأفعال الثابتة بحق حسون كجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

وهذا توصيف قانوني بالغ الأهمية، لكنه يطرح أسئلة لا يمكن أن تجيب عنها التغطية الخبرية وحدها: ما الأفعال التي اعتبرتها المحكمة جرائم حرب؟ وما الأفعال التي اعتبرتها جرائم ضد الإنسانية؟ وما الأساس القانوني الذي اعتمدته في هذا التوصيف؟ وكيف ربطت تلك الجرائم بالإدانات الصادرة استناداً إلى قانون العقوبات السوري؟

والتمييز هنا ضروري بين الجريمة التي أدين بها حسون بموجب النص العقابي السوري وبين التوصيف القانوني للأفعال باعتبارها جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية.

ولهذا فإن نشر حيثيات الحكم كاملة سيكون ضرورياً لتقييم القيمة القانونية لهذه السابقة، وليس فقط لمعرفة العقوبات التي فرضتها المحكمة.

الحكم لا يغلق باب التحقيق

الحكم بالمؤبد لا يعني بالضرورة أن جميع جوانب المسؤولية المحتملة لأحمد حسون قد جرى التحقيق فيها.

ولا تزال هناك وقائع أخرى تستحق البحث المستقل، ومن بينها ما وثقته منظمة العفو الدولية في تقريرها عن عمليات الإعدام الجماعي في سجن صيدنايا، والذي أشار إلى دور منسوب إلى مفتي الجمهورية ضمن آلية اعتماد أحكام الإعدام الصادرة عن المحكمة الميدانية العسكرية، إلى جانب وزير الدفاع أو رئيس هيئة الأركان، بتفويض عن رئيس الجمهورية.

ولا يثبت ذلك وحده أن أحمد حسون وقع شخصياً على أحكام إعدام أو أنه يتحمل مسؤولية جنائية عنها.

لكنه يطرح سؤالاً مشروعاً للتحقيق: هل توجد أحكام أو قوائم أو مراسلات تحمل توقيع حسون ضمن سلسلة الإجراءات التي انتهت بإعدام معتقلين في صيدنايا؟

الإجابة عن هذا السؤال تحتاج إلى وثائق وأدلة مستقلة، وينبغي عدم خلطها بالوقائع التي أدانته المحكمة بها في الحكم الحالي ما لم تكشف حيثيات القرار عن تناولها.

المؤبد ليس وحده معيار العدالة

يمثل حكم أحمد بدر الدين حسون محطة مهمة في مسار المحاكمات المتعلقة بجرائم المرحلة السابقة، لكن قيمته بالنسبة إلى العدالة الانتقالية لن تقاس بعقوبة المؤبد وحدها.

المعيار الأهم هو قدرة القضاء على بناء مسؤولية جنائية فردية واضحة: تحديد الفعل، وإثباته بالدليل، وتحديد القصد، وربط التحريض بالجريمة، وتسبيب التكييف القانوني الذي انتهت إليه المحكمة.

فالعدالة لا تتحقق لأن مسؤولاً سابقاً أصبح خلف القضبان، وإنما عندما يستطيع الحكم أن يجيب بوضوح:

ماذا فعل؟ ماذا كان يعلم؟ على ماذا حرّض؟ وكيف تحولت مساهمته الفردية إلى مسؤولية جنائية؟

ومن هنا تكتسب قضية أحمد حسون أهميتها.

لقد انتقل السؤال من سلطة المنبر إلى سلطة القانون. ويبقى نشر الحكم المعلل كاملاً ضرورياً حتى يمكن تقييم ما إذا كانت هذه القضية ستتحول بالفعل إلى سابقة قضائية سورية في مساءلة المحرضين على الجرائم، لا لمواقفهم أو صفاتهم، وإنما عن أفعال ثبتت مسؤوليتهم الفردية عنها.

Facebook
Twitter
WhatsApp
Telegram
غلاف تحقيقي بعنوان من السارين إلى سلسلة الأوامر، يتضمن صورة بشار الأسد كعلامة مائية وخطوطاً ترمز إلى سلسلة القيادة في ملف جريمة الغوطة الكيميائية.

من السارين إلى سلسلة الأوامر: الملف المرجعي التحقيقي لجريمة الغوطة الكيميائية

ملف مرجعي تحقيقي بالعربية حول جريمة الغوطة الكيميائية، يميز بين الدليل التقني والإجراء القضائي والتقييم الرسمي والتحقيق المدني والفرضية، ويعرض المسار الفرنسي ومصفوفة الأشخاص والوحدات وسلسلة القيادة والفجوات.