بين حق الضحايا في العدالة وخطر بناء سلطة استثنائية جديدة
تستعد سوريا لإصدار قانون شامل للعدالة الانتقالية، بعد أكثر من عام على إنشاء الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية بموجب المرسوم رقم 20 لعام 2025. وتقول الهيئة إن المسودة الأولى للقانون أُنجزت، وإنها تنتظر استكمال الإجراءات التشريعية، بالتزامن مع الإعلان عن قرب فتح ملفات كبرى المجازر والانتهاكات.
لكن أهمية القانون لا تُقاس بسرعة صدوره، ولا بعدد المؤسسات التي سينشئها، ولا بحجم الصلاحيات التي سيمنحها للهيئة. المعيار الحقيقي هو ما إذا كان سيؤسس لعدالة شاملة ومستقلة وقابلة للرقابة، أم سيكتفي بمنح غطاء قانوني لإجراءات استثنائية تُتخذ باسم الضحايا.
فالعدالة الانتقالية ليست محاكمة عدد من رموز النظام السابق، وليست هيئة تجمع الشهادات، ولا صندوقاً للتعويض، ولا برنامجاً للمصالحة. إنها منظومة مترابطة تشمل كشف الحقيقة، والمساءلة الجنائية، وجبر الضرر، وإصلاح المؤسسات، وحفظ الذاكرة، وضمان عدم تكرار الانتهاكات.
ولا يحقق أي مسار هذه الغاية إذا استُخدم عنصر واحد منه بديلاً عن العناصر الأخرى. المحاكمات وحدها لا تكشف الحقيقة كاملة، والتعويض من دون مساءلة قد يتحول إلى محاولة لشراء صمت الضحايا، والمصالحة من دون اعتراف ومسؤولية قد تصبح اسماً مخففاً للإفلات من العقاب، وإصلاح المؤسسات من دون معايير قانونية قد يتحول إلى إقصاء جماعي وانتقام سياسي.
من المرسوم المختصر إلى القانون الشامل
أنشأ المرسوم رقم 20 لعام 2025 الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية بوصفها هيئة مستقلة تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، وتعمل في جميع الأراضي السورية. وحدد أهدافها بكشف الحقيقة بشأن الانتهاكات الجسيمة التي تسبب بها النظام السابق، ومحاسبة المسؤولين عنها بالتنسيق مع الجهات المختصة، وتعويض الضحايا، وترسيخ عدم التكرار والمصالحة الوطنية. نص المرسوم المنشور عبر وكالة سانا.
يمثل هذا المرسوم بداية مؤسسية مهمة، لكنه لا يصلح وحده أساساً لنظام كامل للعدالة الانتقالية. فهو لا يحدد بدقة إجراءات التحقيق، ولا علاقة الهيئة بالقضاء والنيابة العامة، ولا شروط اختيار أعضائها وعزلهم، ولا طرق الاعتراض على قراراتها، ولا قواعد حماية الشهود والضحايا، ولا إدارة الأدلة والأرشيف، ولا معايير التعويض ورد الممتلكات.
كما أن حصر الولاية، في النص الأصلي للمرسوم، بالانتهاكات التي تسبب بها النظام السابق يطرح إشكالية قانونية وسياسية لا يجوز للقانون المرتقب تجاهلها.
لا خلاف جدياً على أن أجهزة نظام الأسد تحمل المسؤولية الأساسية عن القسم الأعظم والأكثر اتساعاً وانتظاماً من الانتهاكات والجرائم الدولية التي ارتُكبت في سوريا. الاعتراف بجرائم ارتكبتها أطراف أخرى لا يعني المساواة في حجم المسؤولية أو طبيعتها، ولا يجوز استخدام شعار «جميع الأطراف» لتخفيف المسؤولية المركزية للنظام السابق.
لكن عدم المساواة في حجم المسؤولية لا يبرر التمييز بين الضحايا. فالضحية لا تفقد حقها في الحقيقة والانتصاف لأن الجاني لا ينتمي إلى النظام السابق، والجريمة لا تصبح مشروعة بسبب هوية مرتكبها أو الراية التي كان يقاتل تحتها.
لذلك يجب أن ينتقل القانون من معيار «هوية الفاعل» إلى معيار «طبيعة الانتهاك والمسؤولية الفردية عنه». وقد طالبت منظمات سورية بأن تشمل الولاية جميع الانتهاكات الجسيمة، مع التأكيد في الوقت نفسه على عدم المساواة التاريخية أو القانونية بين حجم الجرائم التي ارتكبتها الأطراف المختلفة. البيان المشترك بشأن المرسوم رقم 20.
أولاً: قانون صادر عن سلطة تشريعية، لا لائحة داخلية موسعة
لا يجوز إنشاء نظام يقيّد الحقوق ويجمع الأدلة ويحيل الأشخاص إلى القضاء ويقرر استحقاق التعويضات بواسطة نظام داخلي تضعه الهيئة لنفسها.
يجب أن يصدر قانون العدالة الانتقالية عن السلطة التشريعية، بعد نشر مشروعه وإتاحته للنقاش العام. وينبغي أن تخضع مسودته لمشاورات حقيقية مع الضحايا وذوي المفقودين والمحامين والقضاة ومنظمات المجتمع المدني وممثلي المكونات السورية، لا أن تكون المشاورات مجرد لقاءات بروتوكولية بعد اكتمال النص.
ويجب أن يحدد القانون نفسه:
- طبيعة الهيئة واختصاصها ومدته.
- شروط اختيار أعضائها وإنهاء عضويتهم.
- صلاحيات طلب المعلومات والوصول إلى الأرشيف.
- العلاقة مع النيابة العامة والقضاء.
- حقوق الأشخاص محل التحقيق.
- حماية الضحايا والشهود والمبلغين.
- قواعد التعويض ورد الحقوق.
- طرق الاعتراض والطعن.
- الرقابة المالية والمؤسسية على الهيئة.
- مصير الملفات والأدلة بعد انتهاء ولايتها.
لا يكفي أن يعلن القانون أن الهيئة مستقلة؛ فالاستقلال لا يتحقق بالوصف، بل بطريقة التعيين والتمويل والعزل والرقابة.
ثانياً: ولاية شاملة لا تساوي بين المسؤوليات ولا تميّز بين الضحايا
يجب أن تشمل الولاية الزمنية للقانون الانتهاكات الجسيمة المرتبطة بفترة الاستبداد والنزاع، وأن تمتد إلى الانتهاكات الجسيمة التي تقع خلال المرحلة الانتقالية نفسها.
فالعدالة الانتقالية التي تتوقف عند تاريخ سقوط النظام السابق، وتتجاهل أي انتهاك جديد، تفقد جزءاً أساسياً من وظيفتها: ضمان عدم التكرار.
ويجب أن تشمل الولاية الموضوعية، بحسب الوقائع والأدلة:
- جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية.
- التعذيب والاختفاء القسري.
- القتل خارج نطاق القضاء.
- العنف الجنسي والجرائم القائمة على النوع الاجتماعي.
- التهجير القسري والحصار والتجويع.
- الاعتقال التعسفي والمحاكمات الصورية.
- الاستيلاء المنهجي على الممتلكات.
- الجرائم الاقتصادية الكبرى المرتبطة بالانتهاكات.
- تجنيد الأطفال واستهداف العاملين الإنسانيين والطبيين.
- تدمير الأدلة والمقابر الجماعية أو العبث بها.
لكن توسيع الولاية يجب ألا يؤدي إلى تحويل الهيئة إلى جهاز مفتوح الاختصاص يحقق في كل جريمة عادية أو نزاع عقاري أو مخالفة إدارية. العدالة الانتقالية تختص بالانتهاكات الجسيمة والأنماط المنظمة والمسؤوليات المؤسسية، بينما تبقى الجرائم العادية من اختصاص القضاء الطبيعي.
ثالثاً: تعريف الجرائم وفق مبدأ الشرعية
يجب أن يعرّف القانون الجرائم والمفاهيم الأساسية بدقة، وألا يستخدم عبارات سياسية فضفاضة مثل «أعداء الثورة» أو «فلول النظام» أو «الإضرار بالمصلحة الوطنية» كأساس للمساءلة.
المسؤولية الجنائية شخصية، ولا تنشأ من الانتماء إلى مؤسسة أو طائفة أو منطقة أو حزب. الخدمة في مؤسسة حكومية أو عسكرية في عهد النظام السابق لا تثبت بذاتها المشاركة في جريمة.
في المقابل، لا يجوز استخدام الصفة الرسمية أو تنفيذ الأوامر ذريعة لإعفاء المسؤولين عن الجرائم الجسيمة. ويجب تنظيم صور المسؤولية، ومنها إصدار الأوامر، والمساعدة والتحريض، والمساهمة المشتركة، ومسؤولية القادة والرؤساء عندما يعلمون أو كان ينبغي أن يعلموا بالجرائم ولم يمنعوها أو يعاقبوا مرتكبيها.
كما يجب احترام مبدأ عدم رجعية القوانين الجزائية ومبدأ «لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص»، مع مراعاة أن بعض الأفعال، كالجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب والتعذيب، كانت مجرمة وفق قواعد القانون الدولي وقت ارتكابها. هذه مسألة يجب أن يعالجها القانون بدقة، لا بالشعارات ولا بالتوسع الاعتباطي.
رابعاً: استقلال الهيئة عن السلطة التنفيذية
من أخطر ما قد يواجه القانون أن تصبح السلطة التنفيذية هي التي تختار جميع أعضاء الهيئة، وتحدد موازنتها، وتطّلع على ملفاتها، وتستطيع إنهاء عضوية أعضائها، ثم تُسمى الهيئة «مستقلة».
ينبغي أن ينص القانون على:
- معايير علنية للكفاءة والخبرة والنزاهة.
- فتح باب الترشيح العام أو استقبال الترشيحات من جهات متعددة.
- تدقيق مستقل في تضارب المصالح والسجل المهني للمرشحين.
- مشاركة السلطة التشريعية أو لجنة مستقلة في الاختيار.
- تمثيل قانوني وحقوقي واجتماعي متنوع، مع مشاركة فعلية للنساء والضحايا.
- مدة محددة للعضوية لا يجوز قطعها إلا لأسباب منصوص عليها.
- إجراءات معلنة للتحقيق مع العضو وعزله.
- موازنة مستقلة ومدققة.
- منع تلقي التعليمات من الأجهزة التنفيذية والأمنية.
- نشر إقرارات تضارب المصالح.
ولا يجوز أن تضم الهيئة أشخاصاً يمكن أن تكون لهم مسؤولية مباشرة أو مصلحة شخصية في الملفات التي ستنظر فيها.
خامساً: الفصل بين كشف الحقيقة والتحقيق الجنائي
تملك هيئة الحقيقة مساحة عمل أوسع من المحكمة؛ فهي تبحث في الأنماط والسياقات والمسؤوليات المؤسسية، وتستمع إلى الضحايا، وتراجع الأرشيف، وتبني سجلاً عاماً لما حدث.
أما القضاء فيحدد المسؤولية الجنائية الفردية وفق قواعد الإثبات والمحاكمة العادلة.
يجب ألا تتحول الهيئة إلى محكمة، وألا تصدر أحكاماً بالإدانة أو العقوبة. ويمكنها إعداد الملفات وإحالتها إلى النيابة العامة، لكن توجيه الاتهام والتوقيف والمحاكمة والمصادرة يجب أن يبقى من اختصاص القضاء.
كما يجب أن يحدد القانون:
- متى تُعد الشهادة المقدمة للهيئة دليلاً قضائياً.
- شروط مشاركة المعلومات مع النيابة العامة.
- حماية سرية الإفادات.
- حق الشاهد في معرفة كيفية استخدام شهادته.
- حماية الشخص من إجباره على تجريم نفسه.
- سلسلة حفظ الأدلة وضمان عدم التلاعب بها.
- قواعد التعامل مع الأدلة الرقمية والصور والمقاطع المصورة.
- مدى قبول الأدلة التي جمعتها منظمات المجتمع المدني.
- آلية التعاون مع الآليات الدولية والمحاكم الأجنبية.
إن الخلط بين عمل لجنة الحقيقة والتحقيق الجنائي قد يضر بالاثنين معاً: فقد يفقد الضحايا الثقة بسرية شهاداتهم، وقد تصل إلى القضاء ملفات لا تستوفي متطلبات الإثبات الجنائي.
سادساً: قضاء طبيعي ومحاكمات عادلة
لا يمكن بناء العدالة الانتقالية بواسطة محاكم استثنائية تعيد إنتاج محاكم أمن الدولة ومحكمة الإرهاب بأسماء جديدة.
إذا أُنشئت غرف قضائية متخصصة، فيجب أن تكون جزءاً من القضاء العادي، وأن تُنشأ بقانون، وتخضع لطرق الطعن المعروفة، ويُعيّن قضاتها وفق معايير الكفاءة والاستقلال.
ويجب ضمان:
- قرينة البراءة.
- إبلاغ المتهم بالتهم والأدلة.
- حق الاستعانة بمحامٍ منذ بداية التحقيق.
- الوقت والتسهيلات الكافية لإعداد الدفاع.
- منع التعذيب والإكراه واستبعاد الاعتراف المنتزع بوسائل غير مشروعة.
- علنية الجلسات، إلا في الحالات الضرورية لحماية الضحايا والشهود.
- استجواب شهود الاتهام وتقديم شهود الدفاع.
- المحاكمة خلال مدة معقولة.
- قرار قضائي مسبب.
- حق الطعن أمام محكمة أعلى.
- افتراض البراءة في الخطاب الرسمي والإعلامي.
ولا يجوز تقديم المتهمين إلى الجمهور بوصفهم مجرمين قبل صدور أحكام نهائية. هيبة العدالة لا تُبنى بالمشاهد الاستعراضية، بل بملف أدلة يصمد أمام الدفاع والطعن والقضاء المستقل.
كما ينبغي استبعاد عقوبة الإعدام عن منظومة العدالة الانتقالية. العدالة التي تهدف إلى القطع مع تاريخ الإعدامات والمحاكمات السرية لا ينبغي أن تبدأ بإعادة إنتاج العقوبة الأشد التي استخدمها النظام السابق من دون ضمانات.
سابعاً: الضحايا شركاء لا جمهور
تعلن الهيئة أن الضحايا في قلب عملها، لكن مركزية الضحايا يجب أن تتحول إلى حقوق قانونية محددة.
ينبغي أن يمنح القانون الضحايا:
- الحق في التسجيل دون تمييز سياسي أو مناطقي أو طائفي.
- الحق في الحصول على معلومات عن مسار ملفاتهم.
- الحق في تقديم الأدلة والطلبات.
- التمثيل بواسطة محامين أو ممثلين مشتركين.
- المشاركة في الإجراءات القضائية عندما يسمح القانون.
- الاعتراض على القرارات التي تمس حقوقهم.
- حماية الخصوصية والهوية.
- الدعم النفسي والاجتماعي والقانوني.
- الحماية من الانتقام والتهديد والوصم.
- ترتيبات خاصة للأطفال وذوي الإعاقة والناجين من العنف الجنسي.
والمشاركة الحقيقية لا تعني دعوة الضحايا إلى مؤتمر ثم اتخاذ القرارات من دونهم. يجب أن توجد مجالس أو هيئات استشارية منتخبة أو مختارة بشفافية، وأن تكون آراؤها جزءاً موثقاً من عملية صنع القرار.
ويؤكد المقرر الخاص للأمم المتحدة أن أي مسار للعدالة الانتقالية لا يكون مشروعاً إذا جرى من وراء ظهور الضحايا، وأن مشاركتهم يجب أن تمتد من تصميم الآليات إلى مراقبة التنفيذ. مبادئ الأمم المتحدة بشأن الحقيقة والعدالة والجبر وعدم التكرار.
ثامناً: سجل الضحايا ليس أداة لمنح الشرعية أو حجبها
إنشاء سجل وطني للضحايا خطوة ضرورية، لكنه يحمل مخاطر جدية إذا لم تضبطه قواعد واضحة.
يجب ألا يؤدي عدم التسجيل خلال مهلة معينة إلى سقوط صفة الضحية أو الحقوق القانونية. فقد يكون الشخص مفقوداً، أو لاجئاً، أو خائفاً من التقدم، أو غير قادر على تأمين الوثائق.
كما يجب ألا يُطلب من الضحية إثبات موقفها السياسي أو علاقتها بالثورة للحصول على الاعتراف. معيار التسجيل هو الضرر الناتج عن انتهاك جسيم، لا الولاء السياسي.
ويجب حماية بيانات السجل من الأجهزة الأمنية ومن الاستخدام السياسي والإعلامي والتجاري، مع تحديد الأشخاص الذين يحق لهم الاطلاع عليها، ومدة الاحتفاظ بها، وآلية تصحيحها، والعقوبات المترتبة على تسريبها.
تاسعاً: المفقودون والمقابر الجماعية
لا يمكن فصل العدالة الانتقالية عن ملف المفقودين والمختفين قسراً. ويجب أن ينظم القانون العلاقة بين هيئة العدالة الانتقالية والهيئة الوطنية للمفقودين، بحيث لا تتكرر قواعد البيانات ولا تتضارب الصلاحيات.
ويتطلب ذلك:
- سجلاً وطنياً موحداً أو قابلاً للتكامل.
- حماية المقابر الجماعية فور اكتشافها.
- منع فتح المقابر بوسائل عشوائية.
- تطبيق قواعد الطب الشرعي وحفظ سلسلة الأدلة.
- أخذ العينات الجينية بموافقة واعية.
- حماية البيانات الوراثية.
- إشراك العائلات في القرارات المتعلقة بالتعرف والتسليم والدفن.
- إصدار شهادات قانونية تساعد الأسر في قضايا الميراث والزواج والملكية دون اشتراط إعلان الوفاة قسراً.
- استمرار التحقيق الجنائي بالتوازي مع البحث الإنساني.
معرفة المصير حق مستقل للعائلات، ولا يجوز ربطه بالتنازل عن الدعوى أو قبول التسوية أو المصالحة.
عاشراً: جبر الضرر أوسع من التعويض المالي
التعويض المالي جزء من جبر الضرر، لكنه ليس الجبر كله.
يجب أن يشمل النظام:
- رد الممتلكات والحقوق كلما كان ذلك ممكناً.
- التعويض عن الضرر المادي والمعنوي.
- العلاج الطبي والنفسي.
- إعادة التأهيل المهني والاجتماعي.
- استعادة الأوراق والسجلات المدنية.
- إعادة الاعتبار وإلغاء الأحكام الجائرة.
- الاعتذار الرسمي والاعتراف بالمسؤولية.
- تخليد ذكرى الضحايا وحماية مواقع الجرائم.
- إعادة رفات الضحايا بكرامة.
- خدمات جماعية للمناطق الأكثر تضرراً.
- ضمانات عدم التكرار.
ويجب إنشاء صندوق مستقل لجبر الضرر، تُحدد مصادره بوضوح، وتُدقق حساباته، ولا يصبح دفع التعويض رهناً بمصادرة أموال المتهمين أو انتهاء المحاكمات.
فالدولة تتحمل واجب الجبر تجاه الضحايا، ولا يجوز أن تقول لهم إن حقوقهم ستنتظر حتى العثور على أموال الجناة.
كما يجب التمييز بين رد الممتلكات الخاصة إلى أصحابها وبين إدخالها في أموال الدولة. الممتلكات التي انتُزعت من معتقل أو مهجر يجب أن تعود إلى صاحبها أو ورثته، لا أن تُعامل تلقائياً كأصول مستردة للخزينة.
حادي عشر: لا عفو عن الجرائم الدولية ولا مصالحة قسرية
يجب أن يضع القانون حدوداً صريحة للعفو والتسويات.
لا يجوز منح عفو يؤدي إلى الإفلات من المساءلة عن جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية أو الإبادة الجماعية أو التعذيب أو الاختفاء القسري أو العنف الجنسي الجسيم.
ويمكن استخدام تخفيف العقوبة أو بدائل محدودة في الجرائم الأقل خطورة، ولا سيما عندما يقدم الشخص حقيقة كاملة ويساعد في كشف المصير أو استعادة الحقوق، لكن ذلك يجب أن يتم وفق معايير قانونية وبقرار قضائي، لا عبر صفقة سرية.
كما لا يجوز أن تُفرض المصالحة على الضحايا، أو أن يصبح قبولها شرطاً للحصول على التعويض أو معرفة مصير المفقود. المصالحة نتيجة محتملة للحقيقة والعدالة والجبر، وليست أمراً إدارياً يُفرض قبلها.
ولا يجوز استخدام الاعتذار أو تخليد الذكرى أو التعويض بديلاً عن التحقيق والملاحقة في الجرائم الجسيمة. هذا ما تؤكده المعايير الدولية: التدابير غير القضائية تكمل المساءلة ولا تحل محلها.
ثاني عشر: إصلاح المؤسسات دون عقاب جماعي
لا معنى لضمان عدم التكرار إذا بقيت القوانين والأجهزة وأساليب العمل التي أنتجت الانتهاكات على حالها.
ينبغي أن يشمل الإصلاح:
- الأجهزة الأمنية والعسكرية والشرطية.
- القضاء والنيابة العامة.
- السجون ومراكز التوقيف.
- التشريعات المقيدة للحريات.
- أنظمة الرقابة والمساءلة داخل المؤسسات.
- المناهج والتدريب المهني.
- إدارة الأرشيف والسجلات.
- الرقابة المدنية على الأجهزة الأمنية.
لكن عملية التدقيق الوظيفي يجب أن تقوم على المسؤولية الفردية، لا الانتماء السابق وحده. ويجب منح الشخص إخطاراً بالأسباب، وحق الاطلاع على الأدلة، والرد عليها، والطعن أمام جهة مستقلة.
الإقصاء الجماعي يخلق مظالم جديدة، بينما الإبقاء على المتورطين في مواقع تسمح لهم بتكرار الانتهاكات يهدم الثقة بالدولة. الحل القانوني هو تدقيق فردي شفاف وقابل للطعن.
ثالث عشر: الشفافية وحماية الخصوصية
يجب أن ينشر القانون والنظام الداخلي وخطط العمل ومعايير التسجيل والتعويض والإحالة إلى القضاء.
كما ينبغي إلزام الهيئة بنشر تقارير دورية تتضمن:
- عدد الملفات المستلمة.
- أنواع الانتهاكات والمناطق التي تغطيها.
- عدد الإحالات إلى القضاء دون كشف أسرار التحقيق.
- عدد المستفيدين من برامج الجبر.
- الإنفاق والموازنة.
- العقبات التي تواجه العمل.
- مستوى تنفيذ التوصيات.
لكن الشفافية لا تعني نشر أسماء الضحايا والشهود أو تفاصيل الاعتداءات الجنسية أو المعلومات التي تعرّض الأشخاص للخطر. يجب الموازنة بين حق المجتمع في المعرفة وحق الأفراد في الخصوصية والأمان.
رابع عشر: التعاون الدولي من دون التنازل عن السيادة القضائية
توجد كميات كبيرة من الأدلة والوثائق المتعلقة بالجرائم السورية لدى الآلية الدولية المحايدة والمستقلة، ولجنة التحقيق الدولية، ومنظمات المجتمع المدني، والسلطات القضائية في دول مارست الولاية القضائية العالمية.
يجب أن يمنح القانون الهيئة أساساً واضحاً للتعاون وتبادل المعلومات مع هذه الجهات، بشرط حماية الأدلة والبيانات وحقوق الأشخاص.
وقد أعلنت الآلية الدولية المحايدة والمستقلة إحراز تقدم في التعاون مع سوريا، بما في ذلك تنفيذ عمل يتعلق بالتحقيقات داخل البلاد للمرة الأولى خلال عام 2026. تقرير الأمم المتحدة بشأن التعاون مع سوريا.
ولا ينبغي أن يُنظر إلى الاختصاص الوطني والولاية القضائية العالمية باعتبارهما مسارين متنافسين. المحاكم الأجنبية تظل مهمة عندما يكون المتهم موجوداً في الخارج أو عندما يتعذر إجراء محاكمة وطنية مستقلة.
خامس عشر: آجال محددة ومراجعة مستقلة
يجب ألا تتحول هيئة العدالة الانتقالية إلى مؤسسة دائمة بلا نهاية ولا مساءلة.
ينبغي أن يحدد القانون:
- مدة ولاية الهيئة.
- مراحل تنفيذ واضحة.
- أهدافاً قابلة للقياس.
- مراجعة مستقلة دورية.
- شروط تمديد الولاية.
- آلية تسليم الأرشيف والملفات.
- الجهة التي تتابع تنفيذ التوصيات بعد انتهاء عمل الهيئة.
لكن تحديد المدة لا يعني إغلاق حقوق الضحايا بانتهائها. الجرائم الجسيمة والدعاوى القضائية والبحث عن المفقودين قد تستمر بعد انتهاء الهيئة.
ما الذي يجب ألا يسمح به القانون؟
يجب رفض أي صياغة تسمح بما يلي:
- تعريف الضحية على أساس سياسي أو طائفي.
- حصر الانتهاكات بهوية فاعل واحد.
- مساواة المسؤوليات التاريخية المختلفة بصورة مصطنعة.
- إنشاء محاكم استثنائية.
- توقيف الأشخاص بقرارات إدارية غير خاضعة للقضاء.
- نشر أسماء المتهمين بوصفهم مدانين قبل الحكم.
- استخدام الاعترافات المنتزعة بالإكراه.
- منح حصانات عن الجرائم الدولية.
- فرض المصالحة على الضحايا.
- ربط التعويض بالتنازل عن الحقوق.
- تطهير المؤسسات على أساس الانتماء الجماعي.
- ترك تعيين الهيئة وعزلها وتمويلها بالكامل للسلطة التنفيذية.
- إبقاء الأرشيف والميزانية والنتائج خارج الرقابة العامة.
- استخدام العدالة الانتقالية لمعاقبة المعارضة أو إسكات النقد الحالي.
رأي قانوني
يمثل قانون العدالة الانتقالية فرصة تاريخية، لكنه قد يصبح أيضاً أخطر تشريع في المرحلة الانتقالية إذا مُنحت بموجبه صلاحيات واسعة من دون رقابة وضمانات.
لا تكفي قدسية قضية الضحايا لمنح أي مؤسسة حصانة من النقد. فالسلطة التي تجمع الأدلة، وتصنف الأشخاص، وتحدد الضحايا، وتحيل المتهمين، وتدير التعويضات، وتسيطر على الأرشيف، يمكن أن تتحول إلى مركز قوة استثنائي إذا لم تُوزع صلاحياتها وتخضع للقضاء والرقابة التشريعية والمجتمعية.
وفي المقابل، لا يجوز استخدام ضمانات المتهم أو الدعوة إلى المصالحة وسيلة لتعطيل المحاسبة. المحاكمة العادلة ليست امتيازاً يمنح للمتهم البريء؛ بل هي الطريق القانوني الوحيد لإثبات إدانة المذنب وإصدار حكم يملك الشرعية والقدرة على الصمود.
المعيار الأخلاقي للعدالة الانتقالية هو إنصاف الضحية التي لا تحظى بتأييد سياسي. ومعيارها القانوني هو احترام حقوق المتهم الذي يكرهه المجتمع. ومعيارها المؤسسي هو قدرتها على التحقيق في انتهاك ارتكبه شخص قريب من السلطة، بالكفاءة نفسها التي تحقق بها في جرائم خصومها.
إذا صيغ القانون لمحاسبة خصوم السلطة وحدهم، فهو قانون غلبة لا قانون عدالة. وإذا ساوى بين جميع المسؤوليات وتجاهل الطابع المنهجي لجرائم النظام السابق، فهو يزوّر التاريخ باسم الشمول. وإذا عاقب الأفراد بلا أدلة ومحاكمات عادلة، فهو يعيد إنتاج منطق الأجهزة الأمنية. وإذا اكتفى بالتعويض والمصالحة من دون حقيقة ومساءلة، فهو ينظم الإفلات من العقاب بدلاً من إنهائه.
أما إذا ضمن استقلال الهيئة والقضاء، وشمول حقوق الضحايا، وفردية المسؤولية، وشفافية العمل، وجبر الضرر، وإصلاح المؤسسات، فإنه يستطيع أن يؤسس لأول قطيعة قانونية حقيقية مع نظامٍ حكم سوريا طويلاً بالخوف والمحاكم الاستثنائية والإفلات من العقاب.
نجاح القانون لن يُقاس بعدد الموقوفين، ولا بقيمة الأموال المرصودة، ولا بحجم التصفيق السياسي عند صدوره. سيُقاس بقدرته على إنتاج حقيقة موثقة، ومحاكمات عادلة، وإنصاف ملموس للضحايا، ومؤسسات لا تستطيع تكرار ما حدث.
ملاحظة قانونية: أُعدت هذه المادة استناداً إلى المعلومات والنصوص المنشورة حتى 4 أغسطس/آب 2026. ولم تكن المسودة الكاملة لقانون العدالة الانتقالية المرتقب منشورة للعموم حتى تاريخ إعدادها؛ لذلك تناقش المادة الضمانات التي ينبغي أن يتضمنها القانون، ولا تدّعي تقييم نص لم يُنشر بعد.


